كان قد مضى على جولتي في معرض بيكاسو في أبوظبي قرابة خمس ساعات وما كنت قد أتيت على تأمل سوى نصف الأعمال الفنية المعروضة فيه عندما شعرت بيد تربت على كتفي وأنا واقف أمام لوحة «مجزرة في كوريا»، فألتفت إلى الخلف بحركة لا إرادية لأكتشف أنها كانت يد شريكي في تبصر عالم من الإبداع البناء الذي عزت مجاراته ولو بحدودها الدنيا على الكثير من الفنانين العرب أصحاب التجارب الإنسانية المأساوية، التي لا تقل بشاعة عن المأساة الكورية.

قال: أين أنت يا رجل، إني أتضور جوعا. الحقيقة أن الساعة كانت قد شارفت على الخامسة ولم نكن قد تناولنا أي شيء طوال ذلك اليوم ذي الطابع الفني. قلت: على رسلك يا شريكي، أمام مصنع الأفكار الذي يحيط بنا، هذا يلزمني المزيد من الوقت حتى أقف أو بالأحرى أعيد الوقوف مجددا على ماهية الفنون وغاياتها.

في تلك اللحظة كان هناك سؤال يدور في ذهني ويلح في طلب إجابة شافية بأي شكل من الأشكال، لكن تعذر توفر تلك الإجابة ورغبتي في مواصلة رفقتي لبيكاسو الحالم وخوفي من أن يقطع نقاش الفكرة مع شريكي تلك الرحلة الفلسفية الفريدة، كل ذلك حال دون مصارحته بما كان يجول في خاطري.

ذلك السؤال هو: هل يحق لأصحاب المواهب الفنية التصرف بإبداعاتهم كما يحلو لهم ـ وتبعه آخر: هل يملك البشر ترف عدم توظيف منتجات مبدعيهم ـ ثم هل هناك من سبب لأن تبقى التحف الفنية حبيسة المتاحف الفاخرة والمعارض الفارهة والقصور الوارفة؟ ألا تملك أعمالا من هذا القبيل القدرة على تحريك ما يجول في أذهان الناس؟ ألا تشكل حافزا أو مجموعة حوافز تدفعهم إلى الارتقاء بأوضاعهم ومستويات عيشهم وتفكيرهم وحتى أسلوب حياتهم؟

بما أني لا أدعي معرفة عميقة بميدان الفنون التشكيلية، فإنه ما كان بوسعي إلا أن استسلم أو أحترم أمرين اثنين ، أولهما تعريف بابلو بيكاسو نفسه للفن ، الذي سمعته من خلال آلة التسجيل المتدلية من رقبتي والموصولة بسماعتين في الأذنين ذكرتاني بمنظر عشاق الفن الأشاوس في عواصم ومدن القارة القديمة، والذي يقول إنه يجب على الفن أن يكون أداة للتغيير في سائر مناحي الحياة.

مع التشديد على أن المسألة هنا لا تحدد بجانب حياتي بعينه، بل إنها تتعلق بأسلوب تفكير الناس ومقدراتهم الذهنية على رؤية ما هو إنساني فيهم أولا وفي نظرائهم الآخرين من البشر ثانيا، بكلمات أخرى يمكن القول إن الأمر يتعلق بمواجهة الإنسان لنفسه في موضع سيولد على الأرجح عصفا فكريا يشكل بدوره حافزا للتغير باتجاه آفاق إنسانية رحبة بعيدا عن البؤر المعتمة والأحكام المسبقة والأفكار الميتة.

الأمر الثاني الذي استوقفني وأذهلني في آن وجعل مهمة انجاز الجولة في ربوع أعمال بيكاسو مهمة مستحيلة يتجسد في معلومة سمعتها بالطريقة ذاتها آنفة الذكر وأكدت المعلومات التي اكتسبتها من خلال قراءاتي وفرجتي السابقة للفنان وأعماله، وتفيد بأن بابلو بيكاسو قدم أوراق انتمائه إلى الحزب الشيوعي الفرنسي بنهاية خمسينات القرن الماضي أي عندما كان قد دخل في العقد السادس من عمره.

حيث من الطبيعي أن يلاحظ المرء أن القضية هنا لا تنحصر في قوالب الأرقام الساكنة، بل إن هذه الأرقام تفضي إلى معان مهمة في ماهية الفكر البيكاسوي أو مصنع الأفكار هذا، لا سيما وأن العادة جرت على أن الناس غالبا ما ينخرطون في الشأن العام وينضمون إلى الأحزاب السياسية في عمر الشباب وربما المراهقة، إلا في حالة المناصب الحزبية الرفيعة التي عودنا أصحابها على التمترس خلفها حتى الممات.

وهنا مكمن الدهشة في حالة بيكاسو الفريدة، فهو ما كان شابا عندما أقدم على تلك الخطوة الثورية وما كان، قطعا، يحتاج إلى مزيد من الشهرة والنفوذ والأضواء بعد أن كان صيته قد ذاع على كل لسان وصار لأعماله الفنية وكلماته من يحسب حسابها.

في حضرة بابلو بيكاسو، الذي أبدع لوحة «الجيرنيكا»، التي تجسد مأساة الحرب الأهلية الاسبانية والمعروضة في الردهة الرئيسية في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، يتداعى إلى الذهن الكثير من التجارب الطليعية الهادفة لفنانين لهم بصماتهم في تاريخ البشرية، من بينهم الفنان الكولومبي فيرناندو بوتيرو، الذي تكاد لا تخلو عاصمة في عواصم العالم من لوحة له في معرض أو من منحوتة تعرض في أهم الأماكن والساحات.