في التاسع والعشرين من أغسطس عام 1949، استيقظ العالم على نبأ أول تجربة قنبلة نووية للروس. وكان الأمر بالنسبة للولايات المتحدة مفاجأة مثيرة. فلم تكن تتخيل أن الاتحاد السوفييتي سيحتاج الى أربع سنوات فقط لإجراء أولى تجاربه النووية.
ظن الأميركيون أنهم سيحتكرون السلاح النووي لسنوات طويلة بدءا من يوم السادس عشر من يوليو عام 1945، عندما قاموا بأول تفجير ذري في صحراء الاموغوردو بولاية نيو مكسيكو بقنبلة صنعت من خلال ما كان يسمى بمشروع مانهاتن، المنسوب الى هيئة أميركية أسست عام 1942 في منتصف الحرب العالمية الثانية. وكان العالم المعروف روبرت أوبنهايمر، هو أبرز من شاركوا في صنع تلك القنبلة التي صارت فيما بعد وبالا على البشرية الى الأبد.
وليت الأميركيون اكتفوا بتجربة الاموغوردو، حتى لا يجروا الاتحاد السوفييتي الى سباق نووي. بل بعد ثلاثة أسابع فقط استخدموا القنبلة مرتين ضد اليابان. فاسقطوا أولاها على مدينة هيروشيما في 6 أغسطس 1945 وثانيها بعد ثلاثة أيام على مدينة ناجازاكي. وأسفر الدمار النووي عن سقوط أكثر من 120 ألف قتيل على الفور، وحوالي نصف مليون آخرين لقوا حتفهم ببطء في السنوات التالية من الجريمتين اللتين نفذتا بأوامر الرئيس الأميركي آنذاك هاري ترومان، الذي دخل التاريخ باسم الرئيس النووي.
لم يقف الروس مكتوفي الأيدي بعد هذه الكوارث النووية التي صنعها الأميركيون. في سرية تامة قاموا بأبحاثهم ونجحوا في تخصيب اليورانيوم الذي يلومون إيران عليه الآن. ومن منطقة «سيميبالاتينسك» بجمهورية كازاخستان التي كانت تخضع آنذاك للاتحاد السوفييتي، جربوا باكورة منتجاتهم النووية. وليبدأ العالم بعدها أول فصول سباق التسلح النووي.
لم تكن الإدارة السياسية الأميركية ممثلة في البيت الأبيض، تتوقع أن يسارع السوفييت باللحاق بهم نوويا خلال أربع سنوات فقط. وقيل إن علماء مشروع «مانهاتن»، أبلغوا البيت الأبيض ان بإمكان الروس إجراء تجارب مماثلة لتجاربهم في وقت قريب ولن يحتاجوا الى سنوات طويلة للحاق بهم. ظن حكام الولايات المتحدة أنهم سيسودون العالم بمفردهم وأنه لا قوة عظمى إلا قوتهم ماداموا قد احتكروا سلاح الدمار النووي.
ولكنهم لم يهنؤوا طويلا.. فقد حرمهم السوفييت من الانفراد بالقوة النووية المميزة. وجعلوا من «سيميبالاتينسك» بكازاخستان، حقل التجارب النووي الرئيسي لهم. اذ أجريت بتلك المنطقة حوالي 500 تجربة سوفييتية. وباتت سيميبالاتينسك، في شهرة صحراء نيفادا الأميركية من حيث اجراء الاختبارات النووية.
وهناك أقاويل من سجلات التاريخ، تشير إلى أن الروس ربما بمساعدة أجهزة استخباراتهم وعلى رأسها ال«كي جي بي»، استطاعوا أن يحصلوا على معلومات حيوية عن طرق تصميم القنبلة الذرية، خاصة وأن تجربة «سيميبالاتينسك»، كانت صورة طبق الأصل من قنبلة ناجازاكي.
هذه التجربة السوفييتية الأولى، قلبت الموازين والحسابات داخل الإدارة الأميركية. اذ نقلت واشنطن ذراعها النووي من أيدي العسكر الى لجنة للطاقة الذرية بعيدا عن قيادات البنتاغون التي قد تضع السلاح النووي الأميركي في حساباتها الأولى اذا وقعت مواجهة مع السوفييت.
على أي الأحوال.. منذ التاسع والعشرين من أغسطس 1949 تاريخ أول تجربة نووية سوفييتية، أجريت أكثر من ألفي تجربة نووية في العالم ، قام بها أعضاء النادي النووي. الذي يضم حاليا الولايات المتحدة وروسيا (وريثة الاتحاد السوفييتي الراحل)، وبريطانيا التي أجرت أولى تجاربها النووية عام 1952 ، وفرنسا عام 1960، ثم الصين عام 1954. وأخيرا الهند وباكستان اللتان دفعهما نزاعهما المستديم حول إقليم كشمير الى خوض ثلاثة حروب، ثم إجراء تفجيرين نوويين عام 1998.
ويلاحظ أن التجارب النووية البريطانية ـ الفرنسية ـ تمت بمباركة ودعم الولايات المتحدة ، من منطلق أن الدولتين، أقرب جغرافيا من الأراضي الأميركية، اذا دعت الضرورة الى شن حرب نووية بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة.
الحديث عن ذكرى أول تجربة نووية سوفييتية، لابد أن يقترن بما أصاب سكان منطقة سيميبالاتينسك ـ وما حولها لمسافة 200 كيلومتر ـ من أضرار نتيجة للإشعاعات النووية الناجمة عن 500 تجربة ذرية أجريت هناك. هذه الأضرار عبارة عن تشوهات ، لم تصب الذين عاصروا تلك التجارب، بل اصابت أطفالا ولدوا بعد أن أغلق حقل التجارب النووي السوفييتي في سيميبالاتينسك في التاسع والعشرين من أغسطس عام 1991بقرار من رئيس كازاخستان نور سلطان نزارباييف.
فحسب تقديرات الأمم المتحدة قبل عشر سنوات، تعرض لإشعاع التفجيرات السوفييتية حوالي 6. 1 مليون مواطن من كازاخستان. كما أن 120 ألفاً من سكان جمهوريات آسيا الوسطى تضرروا منها. وبالطبع فالمتضررون من أكثر من ألفي تجربة نووية شهدها العالم على مدى نصف قرن أضعاف مضاعفة. ويكفي أن المتضررين من حادث تسرب إشعاعي من مفاعل تشير نوبل ـ بدون قصدـ مازالوا يعانون من آثار الكارثة التي مضى عليها 12 عاما.
ليت أعضاء النادي النووي، يدركون أن مجرد احتفاظهم بالترسانة النووية ، لا يجعل العالم في مأمن، إلا إذا تم الخلاص من كل تلك الترسانة الكفيلة بفناء البشرية.
إضاءة
لم تعلن إسرائيل عن قيامها بإجراء تجارب نووية، ولكن بإجماع الغرب، تحتفظ الدولة العبرية بترسانة نووية ، تقدر بحوالي 200 رأس نووي. وحتى بدون الغرب.. هناك العالم الإسرائيلي موردخاي فانونو الذي نقل للعالم حقيقة الترسانة النووية الإسرائيلية في عام 1985 ونشر بعضاً من الصور عن ذلك في صحيفة الصنداي تايمز البريطانية، مشيرا إلى وجود منشأة تحت الأرض لفصل البلوتونيوم حيث كانت إسرائيل تنتج 40 كيلو جراما سنوياً. وحتى الآن لا تعترف إسرائيل رسميا بامتلاكها أسلحة نووية.
وأولى المحاولات للحد من الأسلحة النووية كانت عام 1963؛ حيث وقعت 135 دولة على اتفاقية للحد الجزئي من الاختبارات النووية. وفي عام 1968 تم التوقيع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. ولم توقع عليها إسرائيل.
حسن صابر