أعادت الإنفجارات التي وقعت في الجزائر الأسبوع الماضي البلاد إلى تصدر الأخبار العالمية وسط مخاوف من أن يكون ذلك بداية لعودة إلى مرحلة يعتبر الكثيرون أنها طواها النسيان وهى حقبة بداية التسعينات.
رغم أن التساؤل حول ما هو الجديد في هذه التفجيرات قد لا يعد أساسيا في ضوء أن الجزائر شهدت على مدى السنتين الأخيرتين العديد منها يصل إلى نحو 16 تفجيرا منها ثمانية تقريبا العام الماضي وثمانية تفجيرات أخرى حتى الآن من العام الجاري، إلا أن الملاحظ ارتفاع حجم الضحايا الناجم عن التفجيرات، فضلا عن قوتها وسرعة تتابعها، وهو ما يشير إلى وتيرة مختلفة إلى حد ما عما سبق من تفجيرات.
فلم تكد الجزائر تفيق على وقع الانفجار الذي أودى بحياة 43 شخصا صباح الثلاثاء 19 أغسطس في ولاية بومرداس، وهو أكبر عدد من الضحايا للتفجيرات على مدى الفترة الأخيرة، حتى صدمت بمقتل 12 آخرين في انفجارين آخرين جديدين وقعا صباح الأربعاء في مدينة البويرة وليصل حصيلة من قتلوا في الإنفجارات خلال يومين فقط إلى نحو 57 شخصا. وإذا أخذنا في الاعتبار وقوع تفجيرين انتحاريين آخرين في أوائل أغسطس الجاري أسفرا عن مقتل 6 أشخاص وإصابة نحو 43 آخرين، بدا لنا التوقف عند هذه التطورات مبررا ومدعاة للبحث.
تفجيرات غير مبررة
للوهلة الأولى تبدو تفجيرات الجزائر تفتقد المبرر الحقيقي لها، إذا نظرنا إلى الموقف من زاوية وجود أسباب مباشرة، هذا فضلا عن أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والذي يمثل تحويلا لاسم تنظيم الجماعة السلفية، ويشتبه في مسؤوليته عن التفجيرات، ليس بالقوة العملياتية أو العددية التي تتيح له القيام بهذا القدر من التنوع والقوى من عمليات.
فضلا عن أنه لا يمكن مقارنة قاعدته الشعبية بتلك التي كانت تتمتع بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي كان موقفها بداية لدخول البلاد مرحلة عدم الاستقرار على خلفية مصادرة النظام السياسي لفوزها في الانتخابات التي جرت في أواخر عام 1991. غير أنه إزاء حقيقة وقوع تفجيرات على أرض الواقع فإنه من البديهي أن يكون هناك فاعلا يجب البحث في تحديد ماهيته ودوافعه.
وفي ضوء ضبابية الموقف ومحدودية مضمون ما يصدر من أنباء فيما يتعلق بالتفجيرات، فإن الأمر يبقى محل اجتهاد عرضة للمخاطر ومجانبة الصواب، قد يقلل منه محاولة تتبع تفاصيل ما يجري من أحداث في الجزائر والبناء عليه في محاولة تقديم تحليل يبدو متماسكا يساعدنا في فهم تطورات الموقف هناك.
دون افتئات على الحقيقة يمكن للمرء أن يقرر أن المسؤولية الفعلية عن التفجيرات تتوزع بشكل أو بآخر بين العديد من الجهات بغض النظر عن المنفذ الحقيقي لها وتتحدد هذه الجهات في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والنظام السياسي وسياساته، فضلا عن أطراف خارجية ذات مصالح محددة في الجزائر، وهو ما سنحاول التفصيل فيه في السطور التالية:
أولا - القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي:
يحتل التنظيم واجهة لائحة الاتهام الرئيسية وراء التفجيرات، وهو أمر قد لا يخلو من الدقة في ضوء عدة جوانب:
- التحول الحاصل في طبيعة العمليات إلى اتخاذ الشكل الانتحاري وهو الشكل السائد في أفغانستان والعراق، والذي يسمى أسلوب عمل القاعدة هناك.
- طبيعة الأهداف من التفجيرات : والتي تتمثل في استهداف معهد تدريب الدرك الوطني في مدينة يسر شرق العاصمة في التفجير قبل الأخير، ووقع فيما كان الطلبة ينتظرون في الخارج لتأدية امتحان الالتحاق بالمدرسة العليا للدرك الوطني. وكذا استهداف مدينة ساحلية يرتادها الجزائريون لقضاء العطلة الصيفية، في ضوء موقف مثل هذه التنظيمات من السياحة بأنواعها وأشكالها. وأخيرا استهداف مؤسسات ومصالح حكومية في ضوء حالة الشد بين الدولة والتنظيم.
غير أنه مما يثير التساؤل حول دور التنظيم ومسؤوليته الكاملة عما يحدث افتقاده للأسباب العملية التي تدعوه إلى خوض هذه المعركة مع النظام السياسي في الجزائر. ومن خلال المتابعة لما صدر من بيانات في هذا الصدد نصادف إعلان التنظيم عدم ارتياحه قبل تحرير كل شبر من الأراضي الإسلامية من أي وجود أجنبي.
وفي ضوء أن هذا الأمر لا يخص الجزائر بأي حال من الأحوال على عكس الوضع في دول عربية وإسلامية أخرى تستضيف قواعد أجنبية بشكل واضح وملموس - ولنضرب مثلا بالعراق إلى جانب أفغانستان اللتين يصل فيهما الموقف الى مرتبة احتلال - فإن منطق التنظيم على هذا الأساس يعتبر بالغ الضعف وهو ما سيلقي بتأثيره بالتأكيد على مستوى تعظيم قدراته العملية من خلال المجتمع الجزائري أو على صعيد اكتساب التعاطف والتأييد من قبل أفراد الشعب الجزائري ذاته. ويثير ذلك التساؤل حول تزايد واتساع نطاق التفجيرات في ظل فرضية قيام التنظيم بها، ما يستدعي التساؤل حول مصادر تمويله وحصوله على جوانب قوته العملياتية.
ثانيا - دور النظام السياسي:
يحظى النظام بالانتقاد على صعيد التفجيرات إلى حد اتهامه بالمسؤولية عنها من خلال ثلاث زوايا يحمل بعضها قدرا من التناقض:
أولها : يأتي من قبل البعض ممن يتهمون النظام بإبداء قدر كبير من الليونة تجاه الجماعات المتشددة على نحو سمح لها بالنمو وهى السياسة التي دشنها الرئيس بوتفليقة وأقرت في استفتاء 2005. وهو انتقاد ضعيف وواه في ضوء أن سياسات بوتفليقة في مراحلها الأولى أدت إلى دخول الجزائر مرحلة من الاستقرار كادت أن تصبح أعمال العنف معها من الماضي، الأمر الذي تزايد معه الحديث حول نجاح بوتفليقة في إخراج البلاد من محنة الحرب الأهلية الطاحنة التي ألمت بها على مدار أغلب سنوات عقد التسعينيات.
الثاني: يعكس انتقادا يتناقض مع الأول ويتمثل في أن الهجمات إنما تأتي كرد فعل على تشديد القبضة الأمنية للدولة ومحاولة لفك الحصار الأمني الذي قلص من تحركات التنظيمات المتشددة. وهى السياسة التي دشن ملامحها رئيس الحكومة الجزائري الجديد أو يحيى والذي أعلن عودة القبضة الحديدية مع الجماعات المسلحة بعد ثلاث سنوات تقريبا من العمل بقانون المصالحة. وإن كان يضعف من هذا الطرح أن تزايد مستوى العنف في الجزائر يعود إلى العام الماضي قبل تولي أويحيي.
الثالث: يتمثل في الفرضية التي يقدمها البعض بشأن وجود صراع بين أجنحة الحكم في الجزائر خاصة مع قرب انتهاء الدورة الثانية لبوتفليقة وسط حالة من الغموض بشأن التجديد له لدورة ثالثة الأمر الذي يقتضي تعديل الدستور الذي حدد سقف الجمهورية بدورتين. ويذهب أصحاب هذا الطرح إلى وجود مصالح لبعض الأجنحة في الدخول بالبلاد في حالة من عدم الاستقرار تنعكس في التغاضي بشكل أو بآخر عن، إن لم يكن تشجيع أنشطة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
ومما يضعف من هذا الطرح عدم تقديمه لأية دلائل تعزز فرضيته، ما يشير إلى أنه يوغل في نظرية المؤامرة دون أساس، رغم ما قد يتمتع به من وجاهة في ضوء بعض خبرات السياسة الدولية. ورغم أن الأطروحات الثلاث السابقة يشوبها قدر من الضعف، إلا أن ذلك لا يعفي النظام من المسؤولية في حدود معينة عما وصلت إليه الأوضاع هناك حيث أن استمرار العنف على هذا النحو واستمراره أكثر من عقدين مع تباين في المستوى بين فترة وأخرى يمثل نوعا من الإدانة لأداء النظام الأمر الذي يعتبره البعض نوعا من الفشل في التعاطي مع الوضع القائم على نحو كان من المفترض أن ينتهي بالبلاد إلى المصالحة أو القضاء على تنظيمات العنف المسلح.
ثالثا : الأطراف الخارجية:
تبرز فرنسا في هذا الصدد كمتهم رئيسي في تأزيم الأوضاع في الجزائر والعمل على استقطاب قيادات في الحكم، إلى جانب الدور الذي تحاول الولايات المتحدة لعبه هناك. ويشار في هذا الخصوص إلى سعي واشنطن لإنشاء مكتب للمباحث الفيدرالية في الجزائر الأمر الذي رحبت به هذه الأخيرة باعتبار أنه ييسر مهمة مواجهة الإرهاب. ولعله مما يعزز من دور الخارج الأهمية التي تحتلها الجزائر كمصدر للغاز الطبيعي.
ويشير البعض إلى أن دور هذه الأطراف يبقى محل تساؤل خاصة إزاء هشاشة وضع الجماعات المتشددة على نحو لا يفسر قوة العمليات التي تقوم بها. ومن الآراء التي تساق في هذا الصدد الإشارة إلى ما يعتبره البعض خلق الولايات المتحدة لكيان القاعدة في العراق، من أجل اتخاذها مبررا لوجودها هناك واستمرار قواتها.
وهو ما يعني بالتبعية أن هناك محاولة للتضخيم بشأن وجود تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على خلفية أسباب أخرى تصب في جوهر استغلال طبيعة الأوضاع هناك تحت دعاوى عدم الاستقرار، ولعل في مطلب إنشاء مكتب المباحث الفيدرالية المشار إليه ما يعزز هذه الفرضية.
حظر غير معلن
وختاما، فإنه إذا كان التناول السابق حاول أن يقدم رؤية عامة تعكس ما يسود من اجتهادات تعمل على تفسير الوضع في الجزائر، فإنه قد لا يشفي غليل القارئ في ضوء أنه يبقى مطلوبا الكشف عن المزيد من الحقائق عما يجري في الجزائر، خاصة في ضوء ما يمكن اعتباره نوعا من المحدودية فيما يتم نشره في هذا الصدد، وذلك رغم الكثافة في النشر،إلا أن تحليل مضمون ما ينشر يشير إلى الدوران في إطار ضيق ، على نحو يمكن اعتباره توافقا ضمنيا على مستويات عدة لحظر نشر غير معلن.
مصطفى عبد الرازق