للديمقراطية الأميركية مفاهيم عديدة تختلف باختلاف الدول والشعوب ، فهي عند العرب والمسلمين تعني الإرهاب والطائفية والدمار وقتل وتشريد الملايين ونهب ثروات البلاد ، وفي أميركا اللاتينية تعني المخدرات وعصابات المافيا والجريمة، وفي أفريقيا تعني الصراعات العرقية والإثنية والقبلية والفقر والمرض، أما في أوروبا فهي تعني التخويف والترهيب من الإرهاب بهدف نشر القواعد العسكرية وبيع السلاح.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي سعت واشنطن لجذب دول أوروبا الشرقية وضمها تحت عباءتها تحت شعار «نشر الديمقراطية في العالم الحر الجديد»، لكن كبار الأوروبيين الغربيين ، والذين تسميهم واشنطن «أوروبا العجوز» يفهمون جيدا اللعبة الأميركية ، فقد انخدعوا بها وعايشوها من قبل بعد الحرب العالمية الثانية تحت شعار «مشروع مارشال» لإعادة إعمار أوروبا ، وعانوها أكثر في ظل هيمنة حلف شمال الأطلسي على منظومة الأمن الأوروبية بحجة حمايتها من الشيوعية، هذه اللعبة الأميركية التي كلفت الأوروبيين الكثير وأرهقت ميزانياتهم بالنفقات العسكرية الباهظة التي ذهبت لخزائن المجمع الصناعي الحربي الأميركي .

الآن ارتبط شعار الديمقراطية الأميركية في أذهان الأوربيين بالسلاح والحرب ، و ربما لهذا لا يصدق الأوروبيون واشنطن عندما تقول إنها تنشر منظومة دفاعها الصاروخي في أوروبا خوفا من الصواريخ الإيرانية التي تهدد أوروبا، فالأوروبيون يعلمون جيدا أنه لا يوجد تهديد لهم من إيران، وحتى العسكريون الأميركيون أنفسهم يعلمون ذلك ويقولون إن إيران لا تستطيع امتلاك صواريخ عابرة للقارات قبل عام 2015،

وقدر ذلك ثلاثة من كبار قادة وضباط البنتاجون الأميركي هم الجنرالان م . واين و م . موسلي من قادة قوات الدفاع الجوي ورئيسهم السابق الأدميرال مولين، الذي طالب بالحوار الدبلوماسي مع إيران، وقال إن الولايات المتحدة تسعى لزيادة اشتعال الحرب و زعزعة الأمن في منطقة الخليج، وقد تم طرد الجنرالين من البنتاجون وإحالة الأدميرال للتقاعد بسبب تصريحاتهم.

وزيرة الخارجية الأميركية التي تردد الآن كثيرا أن منظومة الدفاع الصاروخي ليست موجهة ضد روسيا هي التي سبق أن قالت عام 2001 وهي سكرتيرة مجلس الأمن القومي «إن هناك تهديدا على الغرب يأتي من روسيا إذا وقعت ترسانتها النووية في يد نظام مستبد غير ديمقراطي» و الآن في ظل تصعيد الأزمة في القوقاز وبعد الهجوم الجورجي على أوسيتيا الجنوبية والرد الروسي القامع للهجوم ، ومع التنديد والهجوم الحاد من واشنطن وبالتحديد من الإدارة الأميركية تتخذ واشنطن قرار توقيع اتفاق نشر منظومة الدفاع الصاروخي مع بولندا ردا على الموقف الروسي، ليتضح للجميع أن موسكو كانت دائما على حق في اتهاماتها لواشنطن بأن هذه المنظومة تستهدف روسيا دون غيرها.

الأوروبيون الكبار يرفضون وجود هذه المنظومة في قارتهم، بينما الصغار من المهرولين وراء شعارات الديمقراطية الأميركية يرحبون بها ، بالضبط مثلما رحب ساكاشفيلي في جورجيا بالوجود العسكري الأميركي على أراضي بلاده ، والهدف في جميع الحالات هو روسيا. وجود هذه المنظومة في أوروبا يشكل خطرا على الأوروبيين أنفسهم، و تجريب هذه المنظومة في دولة صغيرة مثل بولندا ، مع التجارب الفاشلة السابقة لها يعرض مئات السفن العابرة في بحر البلطيق وبحر الشمال لخطر محدق ، وهذا ما يخشاه الأوروبيون أيضا ، كما أنها معرضة للصدام مع منظومة الصواريخ الروسية الموجهة للمحيط الهادئ .

غالبية الأوروبيين صوتوا في استفتاءات عديدة ضد وجود هذه المنظومة على أراضي قاراتهم، ولكن واشنطن تصمم عليها والصغار من المخدوعين بشعارات الحرية والديمقراطية الأميركية يرحبون بها ، ولم يعد هناك شك لدى أحد في أن روسيا هي الهدف الرئيسي، مما يعني عودة أوروبا لكوابيس الحرب الباردة السابقة ، وهكذا سيعاني الأوروبيون الكثير من ويلات الديمقراطية الأميركية مثلما عانى العرب والمسلمون.