في أوج مجد الاتحاد السوفييتي الذي انفرط عقده مع بداية تسعينات القرن الماضي، انطلقت صرخة شعبية من قلب العاصمة التشيكية براغ في وجه الدبابات السوفييتية وقوات حلف وارسو التي اجتاحت أراضي تشيكوسلوفاكيا بقوة ضخمة قوامها 200 ألف جندي، وكأنها ستخوض حربا ضد جيش كبير، في حين أنها دخلت لقمع اصلاحات الزعيم التشيكي الكسندر دوبتشيك وانهاء ما سمي في التاريخ بربيع براغ.
صرخة شعبية.. تقول ـ لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية ـ لا للكرملين .. لا للنفوذ السوفييتي. انطلقت في أقل من أربع وعشرين ساعة من اجتياح تلك القوات للأراضي التشيكية. في ذلك الوقت كان الأميركيون مشغولين بمصائبهم في حرب فيتنام. وكان العالم يبدو وكأنه بين فكي كماشة ، الاتحاد السوفييتي من جانب، والولايات المتحدة من جانب آخر. ويمكن القول إن هذا الغزو الذي شنته موسكو، كشف وجها قبيحا للإمبراطورية السوفييتية التي كان من المفترض في تلك الفترة أنها نصيرة حقوق الشعوب في تقرير مصيرها وداعمة لحركات التحرر الوطني، في حين كانت الولايات المتحدة على النقيض من ذلك .
إذ بدأ العالم ينظر إليها كقوة امبريالية متسلطة لتورطها في فيتنام وجنوب شرق آسيا ودعمها لدول خارجة على القانون الدولي وعلى رأسها إسرائيل التي كانت خلال ربيع براغ تعيش نشوة الانتصار في حرب يونيو 1967، قبل أن تذوق مرارة حرب الاستنزاف في العام التالي. فصول ربيع براغ الساخنة. بدأت مع انتخاب الزعيم «الإصلاحي» الكسندر دوبتشيك أمينا عاما للحزب الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا في يناير من عام 1968. وهو العام الذي شهد توترات وتحولات سياسية عالمية على مستوى الجماهير في أوروبا والولايات المتحدة. فالقارة البيضاء شهدت ثورة الطلاب التي لم يسلم من أذاها الزعيم الفرنسي الكبير شارل ديغول إذ دفعته إلى الاستقالة.
وأميركا كانت تعيش اضطرابا واحتقانا سياسيا سواء بسبب حرب فيتنام التي بدأ الشعب الأميركي يدرك خطايا إدارته فيها، أو بسبب حركة الحقوق المدنية الأميركية التي قادها الزعيم السود مارتن لوثر كينغ لانتشال حقوق السود من سطوة العنصرية الاميركية (آنذاك) ودفع الرجل حياته ثمنا لثورته السلمية، فقد سقط صريعا بأيد عنصرية في ربيع ذلك العام.
هكذا كانت الأجواء مع ثورة ربيع براغ، ساخنة. وكانت تشيكوسلوفاكيا مهيأة لانتفاضة شعبية سلمية مع ظهور الكسندر دوبتشيك. إذ كانت هناك حركة ثورية هادئة، قائمة على ما سمي »ميثاق 77« التي ينتسب إليها حشد من الإصلاحيين المناهضين للتصلب الشيوعي وفي الوقت نفسه لا يرفضون إسقاط النظام. وهو ما أكده الرئيس التشيكي السابق والمصلح والأديب فاتسلاف هافل.
فقد كان هدف هؤلاء الثائرين هو الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الانسان والتخلص من الأساليب الدكتاتورية في الحكم. وظهر دوبتشيك كثائر متحضر غير همجي. اذ كان يطالب ب«اشتراكية ذات وجه إنساني». الفكر الجديد الذي بدأ يسود تشيكوسلوفاكيا بفضل دوبتشيك وحركة »ميثاق77» أزعج الاتحاد السوفييتي الذي شعر بأن ما يحدث في دولة عضو في حلف وارسو الذي يقوده وتنتسب إلى المنظومة الشيوعية، كفيل بأن يكون بداية صحوات أخرى في أوروبا الشرقية أو تمرد على الكرملين.
شعرت موسكو أن الأمور قد تفلت من يدها، فتعاملت مع الأحداث الإصلاحية في تشيكوسلوفاكيا بأسلوب صارم. أصدرت أوامرها بتحريك قوة عسكرية ضخمة ضمت 200 ألف جندي من قوات حلف وارسو لقمع انتفاضة أو ثورة ربيع براغ. في 21 اغسطس عام 1968 تدفقت الدبابات السوفييتية على الأراضي التشيكية، ووصلت الى العاصمة براغ في استعراض للقوة ولردع من أطلق عليهم الإصلاحيين. وبدا الموقف وكأنه مواجهة بين جيش أجنبي مسلح وجماهير ترفض هذا الغزو العسكري الذي حصد أرواح بعض المحتجين الذي ثاروا في اليوم التالي مباشرة من الغزو (يوم 22 أغسطس) ضد التدخل العسكري.
لم ينتظر السوفييت طويلا لبحث ما يجري ، سارعوا بخلع دوبتشيك ليحل مكانه غوستاف هوساك الذي كان نائبا للرئيس، والذي قام بإلغاء الإصلاحات التي ادخلها دوبتشيك. وأعاد الدفء في العلاقات مع «الأخ الأكبر» ألا وهو الاتحاد السوفييتي، كما تم عزل الليبراليين والإصلاحيين في الحزب الشيوعي.
وكان على تشيكوسلوفاكيا أن تنتظر قرابة عقدين لتعيد الكرة مرة أخرى بل ولتلفظ الشيوعية برمتها. فقد قامت ثورة شعبية سميت ب»المخملية» في نوفمبر 1989، وليسترد دوبيتشيك اعتباره وتجعل الجماهير منه بطلا لن ينسى التاريخ جراءته في وجه الكرملين.
الثورة المخلية كانت إحدى شرارات الخروج ليس فقط من جلباب الاتحاد السوفييتي الذي كان يترنح ويقترب من السقوط في ذلك الوقت، وإنما الخروج الكامل من العباءة الشيوعية التي لم يقصد دوبتشيك حرقها خلال ربيع براغ. اذ كان يسعى فقط إلى اشتراكية جديدة ذات طابع إنساني ديمقراطي ، ولو تحقق ما أراد ما كان العالم يكفر الآن بكلمة «اشتراكية» التي هي في الأصل تستهدف العدالة الاجتماعية المفقودة في عالمنا المعاصر.. عالم ال«وان واي« الأميركي الذي تتسع في أرجائه دائرة الفقر وتفترس فيه أنياب العولمة ملايين الجياع على الأرض.
إضاءة
جمهورية تشيكوسلوفاكيا تأسست كاتحاد بين جمهورية التشيك وجمهورية سلوفاكيا بين أعوام 1918 - 1939 و1945 - 1992. بعد أن حررها الجيش السوفييتي من الألمان في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، لتصبح عضوا ضمن ما كانت تسمى الكتلة الشرقية الشيوعية تحت زعامة الكرملين.
وبعد أن انهار سور برلين ثم الاتحاد السوفييتي عام 1991 ظهرت خلافات بين الدولتين، وتم الاتفاق وديا على حل الاتحاد، وبذلك اختفى اسم تشيكوسلوفاكيا من قاموس الدول. ثم أُعلن قيام كل من جمهورية التشيك وجمهورية سلوفاكيا. وعارض الرئيس التشيكي الأديب المسرحي والإصلاحي فاتسلاف هافل انفصال التشيك والسلوفاك عن بعضهما، واستقال من رئاسة الدولة الموحدة عام 1992 احتجاجا على الانفصال، ثم عاد ورشح نفسه لرئاسة جمهورية التشيك عام 1993.
حسن صابر