ما فعله رئيس جورجيا ميخائيل ساكاشفيلي الذي تسبب في إشعال حرب في القوقاز.. هو مقامرة غير محسوبة وسوء تقدير يكشف عن عدم فهمه أصول وقواعد اللعبة السياسية.
ارتمى في أحضان الغرب منذ أن اعتلى السلطة عام 2004، ظن أن أي مغامرة عسكرية يقوم بها في دائرته الجغرافية متحديا من خلالها جيرانه الروس (الأقوى منه)، ستحظى بدعم أحبائه وبالتحديد الأميركيين. وأن أي إساءة إليه من الكرملين لن تسكت عليها أميركا أو الذين معها وسيسارعون لنجدته.
ساكاشفيلي الذي وعد بإعادة الإقليمين الانفصاليين أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا إلى جورجيا بانتهاء مدة ولايته، فسر إعلان الأمين العام لحلف الناتو في مؤتمر بوخارست قبل أشهر عن ثقته بأن جورجيا وأوكرانيا ستنضمان في النهاية إلى الحلف، بأنه تضامن شديد معه وإيذان بإجبار الانفصاليين على الخنوع. ولكن ساكاشفيلي كان مخطئا في تقديره بأن أحدا لا يجرؤ على غزو دولة ستكون عضوا في حلف الناتو في المستقبل.
المحيطون بالرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي الذي قام بوساطة بين تبيليسي وموسكو، قالوا إن ساكاشفيلي أوقع نفسه في في شرك خطير بشنه هجوما عسكريا على اوسيتيا الجنوبية، وانه لعب وخسر. لقد ارتكب حماقة بقصفه في عز الليل مدينة في أوسيتيا، والنتيجة، كانت هجوما من روسيا على جورجيا وسحقت بسبب حماقته.
كان ساكاشفيلي بحكم صلته الوثيقة بالأميركيين، واثقا - دون أسانيد- من دعمهم له على طول الخط، خاصة وأن أهم مظاهر الدعم الذي تلقاه من قبل هو قيام خبراء أميركيين بتدريب جيشه. كما أنه سمح لهم بأن يجعلوا من بلاده قاعدة أمامية ضد روسيا، ويمرر أنابيب نفط بحر قزوين عبر اراضيها، لإضعاف سيطرة روسيا على إمدادات الطاقة.
والكل يعلم أن الاستخبارات الأميركية «السي أي ايه» بفضل ساكاشفيلي، نشطت في جورجيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. فجعل من بلاده ، في عهد الإدارة الأميركية الحالية ، دولة تابعة للولايات المتحدة. وثالث أكبر وجود عسكري في العراق، هو الوجود الجورجي.
هذه الخدمات التي قدمها لأميركا، جعلته يظن أنه سيجتاح أوسيتيا الجنوبية تحت دعم أميركي، يدفعه إلى ذلك ظنونه بأن قوة روسيا كدولة عظمى قد وهنت. ولكنها ردت عليه عسكريا فورا، لتؤكد له والذين معه من الجمهوريات التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي، أنها لن تسمح بالعبث بالدائرة المحيطة بأمنها القومي. والمدافع ضمنا عن هذا الموقف الروسي ليس من روسيا بل زعيم غربي مهم له علاقات حميمة الآن مع الأميركيين. وهو الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي، اذ اعتبر انه من الطبيعي ان تسعى روسيا للدفاع عن مصالح الناطقين بالروسية خارج حدودها.
ولكن.. ماذا بعد الدرس الذي تلقاه من الروس؟
ساكاشفيلي .. أيقن الآن أن قدرات بلاده العسكرية لا تؤهلها لاستخدام القوة، والدب السوفييتي على مقربة منها. وأن الأميركيين لم يدفعوه الى اجتياح أوسيتيا الجنوبية، بل هو الذي كان يظن أنه سيخدمهم بهذا العمل الأحمق. وتقول صحيفة نيويورك تايمز ان وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس، حثته على تجنب الدخول في نزاع مع روسيا، فظن أن ذلك مجرد كلام لزوم الأحاديث الدبلوماسية.
ساكاشفيلي رغم هزيمته، مطمئن لدعم الأميركيين له ليتجاوز آثار ما حدث. وبالفعل بدأ يشعر بانتعاش بعد أن تعهد له الرئيس الأميركي بمساعدته. وقال في فخر(!!) إن الجيش الأميركي سيتولى السيطرة على موانئ بلاده ومطاراتها، بإطلاقها عملية إنسانية عسكرية في جورجيا.
إضاءة
ساكاشفيلي..ولد عام 1967. درس المحاماة في الولايات المتحدة. اطاح بالرئيس ادوارد شيفارنادزه- وزير الخارجية السوفييتي السابق- الذي اتهم بتزوير الانتخابات عام 2003. وذلك من خلال الاحتجاجات الشعبية التي عرفت بثورة الورد، وأدت إلى استقالة شفرنادزه. وكان ساكاشفيلي أحد الشخصيات البارزة في هذه الثورة.
وانتخب رئيسا لجورجيا في بداية 2004 . عمد إلى قمع تظاهرات المعارضة مع نهاية 2007. ترشح للرئاسة مرة أخرى بداية هذا العام وفاز بنسبة 5,52% من الأصوات. فتح أبواب بلاده لإسرائيل. وثلاثة من كبار مصدري السلاح والخبرات العسكرية والتدريب في جورجيا من الإسرائيليين.
حسن صابر