أطلقت السلطات الجزائرية مؤخرا حملة كبرى لوقف تدهور غابات «أرز الأطلس» وتشجير المناطق الفارغة في جبال الأوراس بولاية باتنة الواقعة شرق البلاد. ويجري تحضير المشاتل وتطهير الغابات من الأشجار الميتة والأغصان اليابسة المنتشرة التي تهددها للعودة بتلك الغابات إلى سابق عهدها.
ويعد (أرز الأطلس) من النباتات المحمية في الجزائر يمنع القانون المساس بها والتصرف فيها كونها ملكا عاما. ولقد تضررت الغابات بظروف حرب الاستقلال بين 1954 و 1962 خاصة بفعل القصف المركز الذي نفذه سلاح الطيران الفرنسي على معاقل الثوار في تلك الجبال. وزاد تدهور غابات أرز الأطلس في السنوات الأخيرة بسبب عوامل مناخية ضاغطة بحسب الخبراء.
وعقدت لغرض إنقاذ هذه الشجرة مؤتمرات عديدة وعكف على دراسة وضعها باحثون من الجزائر وأوروبا وأميركا لمعرفة أسباب تراجعها. وتروي الكتابات التاريخية بما فيها تلك المدونة على الصخور في المنطقة أن هذه الشجرة كانت في الأزمنة الغابرة موردا اقتصاديا هاما استعان به الإنسان لتحقيق حاجاته.
ومنذ ثلاثين عاما وناقوس الخطر يدق بشأن تقلص مساحات أرز الأطلس في ريف ولاية باتنة ، وحذر من ذلك مرارا «حرس الغابات» وهو جهاز شبه عسكري يسهر على حماية الغابات من تجار الحطب وصناع الفحم الذين يلحقون بها الضرر لغرض الربح. ثم توالت التقارير التحذيرية من أخصائيين صنفوا الوضع في خانة «الخطر».
وأكدت دراسات ميدانية أعدها خبراء جزائريون و أجانب في العقد الحالي أن أرز الأطلس مهدد بالزوال في أهم مواطنة بالجزائر، وهي منطقة الأوراس لتراكم عوامل أثرت سلبا على الغابات. وخلصت الدراسة التي أنجزها أخصائيون من مخبر أبحاث تابع لجامعة «أريزونا» الأميركية إلى أن الجفاف شكل 62 بالمائة بين العوامل التي ساهمت في إفراغ مساحات واسعة من الاشجار المعمرة التي كانت تكسوها منذ ملايين السنين. وأن تقارب فترات الجفاف في العقود الأخيرة وأكثرها وقعا تلك التي امتدت على خمس سنوات كاملة بين 1998 و 2002 ، هددت غابات أرز الأطلس بالزوال.
وقال السعيد عبد الرحماني مدير الحظيرة الوطنية «بلزمة» التي يحتل هذا النوع من الأشجار ستة آلاف هكتار من مساحتها إن الفريق العلمي الأميركي زار غابات باتنة عدة مرات، كان آخرها في أبريل الماضي ، وأخذ منها عينات أخضعها للدرس والتحليل، وتبين أن الجفاف كان له الأثر الأكبر على تراجع مساحات هذا النوع المحمي من الأشجار.
وقال عبد الرحماني إن دراسة مقطع عرضي من جذع شجرة معمرة مأخوذ من حظيرة «بلزمة» بين للعلماء الأميركيين أن المنطقة تعرضت لفترات جفاف متلاحقة لأكثر من أربعة قرون ونصف القرن. وكانت هذه الفترات متباعدة بنحو 50 عاما في البداية كما كانت مدتها قصيرة، لكن المسافة بينها تقلصت باستمرار وصارت مدتها أطول وهو عامل أفقد الشجرة القدرة على التحمل والمقاومة، وساهم في انتشار أمراض خطيرة وسط الغابات جراء تفاقم الطفيليات والحشرات الضارة.
ويجري سباق مع الزمن من هيئات ومؤسسات حكومية وأجرى مدنية جزائرية وأجنبية لوقف تفاقم الوضع. ويجري تنفيذ برنامج على ثلاث مراحل:
*أولها- القيام بمسح شامل للغابات وتحديد مواقع انتشار الامراض بدقة بناء على تشخيص خرج به مؤتمر وطني عقده خبراء وباحثون بجامعة باتنة آخر العام 2006 وعلى نتائج الدراسات التي أنجزها باحثو جامعة أريزونا الأميركية. وقد بدأت معالجة تلك المواقع الربيع الماضي حيث سخرت إمكانيات بشرية وأدوية لوقف انتشار المرض.
وترافق العملية حملة تطهير الغابات من الأشجار الميتة ومن الأغصان اليابسة لتفادي وقوع حرائق و للقضاء على ما تحمله هذه الأشجار من أمراض. وقد شملت عملية التطهير في المرحلة الأولى 735 هكتارا وتمتد على ثمانية عشر شهرا على أن تشمل بعدها 2200 هكتار على مدى السنوات الثلاث المقبلة. وتتبعها عمليات أخرى في المنطقة وفي جهات أخرى من البلاد.
*أما المرحلة الثانية فتخص تنقية التربة ومعالجتها بالمواد الكيماوية المضادة للحشرات والطفيليات والفطريات يوازيها تطوير المشاتل لتحضير مئات الآلاف من الأشجار لإعادة غرس المساحات الفارغة.
* وتشمل المرحلة الثالثة تهيئة المنطقة بشق 10 كلم من الطرق ،وإقامة مراكز حراسة دائمة لحماية الغابة من الرعاة والحطابين وغيرهم. وإيصال الماء إلى المرتفعات.
وقدرت تقارير مختصة تكلفة مشروع تطهير وإعادة غرس غابات باتنة لأرز الأطلس المتضررة بنحو 33 مليون دولار دون احتساب تكاليف الرعاية بعد الغرس. ويهدف البرنامج إلى استرجاع تلك الغابات دورها الطبيعي في غضون عشرين عاما تكون فيها الشجيرات المغروسة الآن قد صارت في غنى عن الرعاية البشرية وتعود الغابة إلى التكاثر التلقائي كما كانت قبل حلول الكارثة بها .
مراد الطرابلسي