تداعيات كثيرة على أصعدة متعددة سوف تنجم عن الحرب الروسية الجورجية ، تلك الحرب التي ايقظت الكبرياء الروسية ليس فقط في منطقة النزاع، وانما على مستويات أوسع حسب القوة العسكرية الروسية. تلك القوة العسكرية التي ورثت الترسانة الحربية الجبارة للاتحاد السوفييتي السابق بما فيها الترسانة النووية.

لقد كشفت هذه الحرب عجز الغرب، وبرهنت على أن روسيا عادت كقوة عظمى، مما ينهي زمن الاحادية القطبية الذي حاولت الولايات المتحدة تكريسه. فهذا الزمن قد انهار عمليا لحساب نظام عودة الأقطاب. تداعيات هذه الحرب ستأتي بقدر قوة المتحاربين، وهما هنا ليس فقط روسيا وجورجيا، فهذه الحرب تدور بين روسيا والولايات المتحدة. وتقوم فيها جورجيا بدور الوكيل الاقليمي الفاشل، الذي لم يحسب جيدا للحرب، ولم يحسب جيدا قوة خصمه، فخسر ما يملك من قوة وعزة نفس. والخسارة الجورجية هنا هي خسارة أميركية في المقام الأول.

وهذا يفسر حدة الصراخ الأميركي الغربي ضد روسيا، بعدما تأكد انسحاق جورجيا. فهدف الصراخ الحد من المكاسب الروسية العسكرية والسياسية، ولتبرئة الذمة بسبب التخاذل نحو الحلفاء، والانكشاف أمام الخصوم. فالولايات المتحدة هي من حرض جورجيا على افتعال الازمة، ثم عجزت عن الدفاع عنها.

هذه الخسارة الأميركية هي الرابعة عسكريا على مستوى العالم خلال السنوات السبع الأخيرة، سواء في حروب خاضتها مباشرة أو من خلال وكلاء اقليميين:

ـ على الصعيد المباشر: تمثلت الخسارة في فشل العسكرية الأميركية في افغانستان والعراق رغم ما تمتلك من قوة ساحقة. ففي أفغانستان لاتزال طالبان موجودة بقوة على الساحة الافغانية تناويء القوة الأميركية وتنزل بها الهزائم. أما في العراق فالفشل الأميركي لايزال حيا.

ـ وعلى الصعيد غير المباشر خاضت واشنطن حربين بالوكالة وخسرتهما. خاضت الأولى اسرائيل ضد لبنان في صيف عام 2006، وانتهت بهزيمة مخزية لاسرائيل. مما أدى الى فشل المشروع الشرق أوسطي الأميركي. أما الهزيمة الثانية فلاتزال ساخنة بهزيمة جورجيا أمام روسيا. ولقد أنتجت هذه الحرب، انتصارا قويا لموسكو في مقابل هزيمة ساحقة للنفوذ الاميركي في القوقاز.

وهذا يعني في المحصلة الاقليمية والدولية هزيمة للمخططات والمشروعات الاميركية في العالم، بل وبداية تآكل النفوذ الاميركي. وفي المقابل يتمدد نفوذ القوى المناوئة للولايات المتحدة. وهو مايعني أن القوة الأميركية ليست فقط في ذاتها، وانما تكتسب قيمتها من طبيعة التوازنات الدولية والاقليمية، أو بالأدق من حالة التواطؤ الدولي والإقليمي معها .

ومن المتوقع أن تكون الحرب القوقازية الأخيرة قد وضعت حدا لحالة التواطؤ الأميركي الروسي تجاه كثير من القضايا الدولية ، ومنها بالطبع القضايا العربية والاقليمية. وهذا ما يهمنا التوقف عندها. ويمكن تأطير هذه القضايا في الملفات التالية:

ـ الصراع الفلسطيني الاسرائيلي

ـ الصراع اللبناني الاسرائيلي

ـ الاحتلال الأميركي للعراق

ـ السلام السوري الاسرائيلي

ـ احالة الرئيس السوداني الى المحكمة الدولية

ـ الملف النووي الإيراني

وتتسم كل هذه الملفات بعدة ملامح مشتركة مثل:

(1) التمحور حول الصعود الايراني المتنامي، فكل هذه الملفات تتلامس بشكل أو بآخر مع الدور الايراني في المنطقة.

(2) وجود انقسام عربي حولها بين محوري الممانعة المعادي للولايات المتحدة و محور الاعتدال المتحالف معها.

(3) تراجع دور وتأثير محور الاعتدال - رغم ثقله الاقليمي - في قضايا المنطقة لحساب محور الممانعة، بسبب انسياق المعتدلين وراء الرغبات الأميركية. ومن المتوقع استمرار ذلك في ظل هزيمة أميركا في القوقاز.

(4) غياب رغبة عربية حقيقية لتصفية المشكلات العالقة بين المعتدلين والممانعين، لارتفاع حدة العامل الشخصي في الخلافات على حساب المصلحة الوطنية.

(5) انفراد الولايات المتحدة الى حد ما بأوراق ملفات المنطقة، في ظل عزوف روسي خلال الفترة الماضية عن مزاحمتها.

ومن المتوقع أن تتعرض كل هذه الملفات ـ في المستقبل ـ لسيناريوهات تقود الى حالة محتملة من التصارع الدولي، اذا ما زاحمت روسيا الولايات المتحدة فيها، أو اتخذت مواقف مناوئة تزعزع الاستراتيجية الأميركية بالمنطقة، في اطار معاقبتها على ما ارتكبته بحقها في القوقاز.

وعلى الرغم من صعوبة التنبؤ المبكر بطبيعة ردود الأفعال الروسية تجاه النفوذ الأميركي في المنطقة، الا أنها بالطبع لن تكون بأي حال كما كانت في الماضي، أي لن تصب في صالح الولايات المتحدة ، فموسكو التي ألمحت إلى دور أميركي في الحرب ضدها، وتحدثت صراحة عن دور اسرائيلي، ستعمد الى معاقبة هاتين الدولتين، في جولات استراتيجية مقبلة.

على صعيد الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، ستشهد القضية الفلسطينية دعما روسيا سياسيا واقتصاديا وربما عسكريا، بما يناويء الأهداف والخطط الاسرائيلية الأميركية. وحركة حماس هي الأكثر قدرة على التفاعل الايجابي مع هذه المرحلة في اطار المصالح الفلسطينية، خاصة مع ارتماء السلطة في احضان اسرائيل والولايات المتحدة.

وهذا التناقض سيؤدي الى المزيد من تصاعد الصراع الفلسطيني داخليا بين فتح وحماس، بل واقليميا بين محور المعتدلين العرب ومعهم أميركا واسرائيل من ناحية، وبين محور الممانعة المتمثل في ايران وسوريا ومعهما روسيا من ناحية أخرى.

ومالم تحدث متغيرات جوهرية في بنى وتوجهات السياسة الخارجية العربية خلال الفترة المقبلة باتجاه التقارب مع موسكو، والتخفف من أعباء التبعية لواشنطن، في نطاق الاستفادة من المتغيرات الناجمة عن الحرب الروسية الأميركية في القوقاز، فان القضية الفلسطينية برمتها ستكون ميدانا خصبا لصراعات الحرب الباردة الجديدة في المنطقة. وهذا يحتم على العرب والأطراف الفلسطينية سرعة التحرك الآن لرأب الصدع الفلسطيني، حتى لا تتعقد الأمور.

ولن يكون الملف اللبناني بعيدا عن هذه الأجواء، الا أن تأثره بها سيكون في حدود أضيق من القضية الفلسطينية، ذلك ان الأطراف اللبنانية صارت على وعي بأبعاد اللعبة الدولية، كما خبر بعضها الخذلان الأميركي لها عن كثب، في أزمة شبكة الاتصالات.

ولكن ذلك لن يمنع من عودة الداخل اللبناني الى دائرة التجاذبات الحادة عربيا ودوليا. ومع افتراض عودة الأمور الى التأزم فان مؤسسات الدولة اللبنانية قادرة مع المقاومة على احتواء تأثيرات الحرب الباردة الجديدة ، اللهم الا اذا وصلت العلاقات الإقليمية ـ الإقليمية أو الإقليمية ـ الدولية إلى الصدام العسكري، وهو أمر غير مستبعد مع مضي الوقت.

وفيما يتعلق بالعراق فان انسحاب القوات الجورجية منه مع اندلاع حرب القوقاز، كان مؤشرا مبكرا على نوعية المتاعب التي ستصادف أميركا من جانب روسيا في بلاد الرافدين. وهذه الخطوة ليست الا بدية لما هو آت، باتجاه تآكل الاحتلال العسكري الأميركي في العراق، وتقوية موقف فصائل المقاومة العراقية والمناوئين للاحتلال دوليا في المرحلة المقبلة.

ويمكن القول إن الوجود الأميركي في العراق صار عاريا الا من مساندة المعتدلين العرب، الذين قد يطلب منهم أميركيا في مرحلة مقبلة، ارسال قوات عسكرية بعد السفراء. وفي هذه الحالة سينشأ احتراب عربي ايراني بالأصالة داخل وخارج العراق، أو بالوكالة عن روسيا واميركا. وفي كل الأحوال لن تملك بعض الدول العربية رفاهية الاختيار بين أميركا وروسيا، مما قد يعرضها لعدم استقرار داخلي .

أما السلام السوري الاسرائيلي فلن يتأثر كثيرا، لأن الطرفين لم ينجزا شيئا بعد، بل ان عودة روسيا المحتملة ستقوي موقف سوريا عربيا، وفي مواجهة اسرائيل واميركا. وربما تحفز المخاوف المقبلة أميركا للضغط على اسرائيل لاعادة الجولان الى سوريا، بهدف احتوائها والتأثير على دورها الاقليمي بعيدا عن ايران وروسيا، بل وحركات المقاومة.

ويتوقف ذلك على مدى تقدير أميركا لأهمية التقارب مع سوريا، وعلى ضوء استعداد دمشق للابتعاد عن ايران وعن حركات المقاومة في فلسطين ولبنان. ويعتبر الرئيس السوداني عمر حسن أحمد البشير هو المستفيد الأكبر من الحرب القوقازية ونتائجها المتوقعة، فلن يكون عسيرا على روسيا تعطيل قرار المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية، لمنع اميركا من الهيمنة على نفط السودان وأفريقيا. وهنا تبدو السودان مستعدة للتحالف مع روسيا، لحماية نفسها من أطماع الغرب، بعدما تراخت الصين في أداء هذا الدور. ولابد ان ينعكس ذلك على الداخل السوداني في الجنوب ودارفور، وربما مناطق أخرى.

وبشكل عام فان هذه السيناريوهات محكومة بعدة عوامل منها، مدى قدرة العرب على حل مشكلاتهم البينية، ومدى قدرتهم على توظيف المتغيرات الدولية والإقليمية لصالح قضاياهم الوطنية والقومية بمعناها الشامل، وليس حصرها فقط في المصالح الضيقة للأنظمة.

ويعتبر الملف النووي الايراني بؤرة تضارب المصالح الاقليمية بين روسيا والولايات المتحدة . وقد جاءت حرب القوقاز هدية جورجية اميركية الى ايران ، فقد كشفت العجز العسكري الذي تعاني منه الولايات المتحدة في المنطقة. كما ساهمت في توسيع رقعة التوتر الجغرافي المعادي لها.

وأسقطت ايضا مبررات الحرج الروسي في تزويد ايران بأحدث الأسلحة التقليدية، وفي تطوير برنامجها النووي. ومن المتوقع ان تكون ايران وملفها النووي محور استقطاب شديد خلال الفترة المقبلة، بما يفيد ايران في المقام الأول. ولن يكون العرب بعيدين عن هذا الاستقطاب عسكريا واقتصاديا.

ويتوقف ذلك على قدرة إيران في توظيف التناقضات الدولية الجديدة. وعلى جدية الولايات المتحدة في تقديم حوافز ترضي ايران. وهذا ما قد تحاوله واشنطن فعلا في المرحلة المقبلة لقطع الطريق على موسكو. ومن جانبها بعثت ايران مع اندلاع الحرب برسائل الى واشنطن عبر تركيا خلال زيارة الرئيس نجاد لانقرة، بما ينبيء عن تحسب ايراني لمقتضيات المرحلة المقبلة، ومحاولة توظيف المتغيرات لطموحاتها. فقيمة إيران الإستراتيجية سوف تتعاظم إقليميا ودوليا في المرحلة المقبلة لدى أميركا وروسيا، وهو ما يعظم المكاسب الايرانية ، كذلك الحال أيضا مع تركيا .

ورغم كل ما يثار عن عودة الحرب الباردة، فليس من الضروري أن تأخذ هذه الحرب الآليات نفسها التي اتبعتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق، بل من الممكن اتخاذ آليات جديدة ستتم بالضرورة على حساب الدول الصغيرة والضعيفة.

إضاءة

التطورات الدولية المقبلة والتي تنذر بتجدد الحرب الباردة الأميركية الروسية، قد تقود إلى مزيد من السقوط لمحور الاعتدال العربي التابع للسياسة الأميركية في المنطقة، فهذا المحور انهزم تلقائيا مع هزيمة الولايات المتحدة في القوقاز.

وهذا يعني أن المنطقة العربية سوف تشهد مزيدا من الانقسام العربي العربي بين الممانعة والاعتدال، ودخول المنطقة في حروب بالوكالة بين العرب.

أحمد الكناني