رغم كل هذا الانفتاح التقني الذي نعيشه في الألفية الثالثة وما استتبعه من تفتح في طرق التفكير العلمي، ودرء كثير من العوالق السلبية، إلا أن إرثا مجتمعيا مازال مهيمنا على تفكير كثير من الشباب ومعطلا مسيرتهم التقدمية نحو غد أفضل، وبنظرة تأملية بسيطة على حضور الصورة الفوتوغرافية للمرأة في التحقيقات الصحافية، نكتشف كم المعاناة التي تواجه الصحافي وامتناع المرأة عن نشر صورتها، ومهما قلنا عن أهمية الصورة في تأكيد الرأي ومصداقيته.
إلا أن الرد جاهز من الطرف المعني وإصراره على الحديث دون تصوير، أما الطامة الكبرى فتكمن في إعطاء أسماء حركية في بعض الأحيان كنوع من الإصرار على تغييب المرأة لنفسها وتحجيم مشاركتها في القضايا العامة، في وقت يتحدث فيه الكثيرون بمن فيهم المرأة عن ضرورة تقاسم الأدوار الحياتية بين الرجل والمرأة على أساس أنها نصف المجتمع. واليوم ونحن نتوجه للشباب متوسمين فيهم إنجاز ما أخفق فيه الأولون، فاتحين أمامهم الباب لمناقشة قضاياهم وعرض آرائهم فيما تحيط بهم من سلوكيات وأفكار، نجد بينهم وللأسف من يمتنع عن الحديث للصحافة.
ناهيك بالطبع عن إعطاء صورة فوتوغرافية، وصادفنا في هذا الموضوع أن وافقت إحدى الفتيات على أن تمهر رأيها بالصورة لولا رفض والدها بشدة للفكرة برمتها، مفجرا بذلك سببا من أسباب عزوف الفتيات عن نشر صورهن، لكن هناك بالتأكيد أسباب أخرى نستطلع حولها الرأي، فماذا يقول الجنس الناعم؟.
جفرا علان ـ طالبة جامعية ـ ترى في الموضوع قضية اجتماعية مزمنة لها أبعادها المتشعبة التي تمس مسيرة الشباب في كثير من النواحي، ابتداء من مساحة الحرية المتاحة لإبداء الرأي وحجم الثقة الممنوحة، وانتهاء بالهالة الأخلاقية التي ترصد الخطوات وتحسب الأنفاس، وتحيل كل شيء بجهل مطلق إلى خانة العيب تحسبا لكلام الناس، وامتناع أية فتاة عن نشر صورتها في الصحف مرده الأول لخوفها من إعطاء صورتها لأي شخص تحسبا من التشهير بها بشكل أو بآخر،
هذا الخوف تغلغل إلى ذهن الفتيات بفعل مكتسب انتقل من الكبار إلى الصغار بطريقة عجيبة، والكل هنا، صغير أو كبير نسي أو أنه يتناسى أن مسألة الصورة بغرض التشهير أصبحت سهلة المنال بفعل التقنيات الحديثة، وعلى كل أنا ألوم جيلي من الفتيات إذا خضعن بالفعل لهذا الابتزاز المجتمعي، نحن أمامنا الكثير من الأمور المهمة التي يجب أن نتجاوزها بتغيير وجهة نظر الكبار فيها.
أما أن يكون رفض نشر الصورة عائد لرغبة الفتاة فهذا عدم ثقة في النفس، صحيح أن هناك فتيات محجبات ولهن آراءهن المختلفة الكثيرة بما في ذلك نشر صورهن، وهؤلاء نحترمهن لأنهن يعبرن عن رأيهن الخاص في عصر احترام كل الآراء.
وتقول حبيبة أحمد ـ طالبة جامعية ـ لا أرى مشكلة في نشر صورتي ما دامت في سياق إبداء الرأي في قضية عامة، فما بالنا ونحن كشباب متاح لنا أن نناقش قضايانا الخاصة بحرية، والخوف من نشر الصورة هو جزء من نهج تفكير بليد لا يوجد الآن إلا في ذهنية المتعاطين مع الأخطاء والسلبيات فترسخ عندهم مفهوم التخفي والهروب والانزواء بعيدا عن الأضواء،
أنا لا أدعي التزامي الشديد بتعاليم ديني وبأخلاقيات مجتمعي وإنما أنا كذلك بالفعل، لكنني غير متزمتة على الإطلاق، وأرى من واجبي أن أواجه الآخر سواء كان إعلاما يطلب رأيا وصورة أو شخصا يقارعني الحجة بالحجة، أما التهرب من نشر الصور فهو يعود لحالة الحراك البطيئة في المجتمع العربي والإماراتي على وجه الخصوص، فالفتاة الإماراتية مازالت تكافح جاهدة للخلاص من هذه الترسبات،
لكن من العيب أن نناقش اليوم مثل هذه القضايا بعد أن قطعنا شوطا كبيرا نحو التفكير بصورة علمية وتعاطينا مع التقنيات الحديثة ببراعة وإتقان، أما الخوف من التشهير بالصورة فأظن أن مصداقية الصحافي والصحيفة التي يمثلها كفيلتان بمنح الثقة إضافة لأهمية موضوع التحقيق المثار، وبالمناسبة أنا ادرس الإعلام وأخشى أن تواجهني هذه المشكلة في المستقبل.
أما أروى محمد ـ طالبة ـ فترى القضية من منظور مغاير تماما، تقول: المرأة بطبيعتها تهتم بشكلها وبمظهرها العام أمام الناس، فكيف بها وصورتها ستظهر على صفحات الجرائد ليراها الجميع؟، لذلك تتردد كثيرا في نشر صورتها لخوفها من رداءة اللقطة لا أكثر، ونحن كفتيات تشكل لنا هذه المسألة حساسية كبيرة لحرصنا على الظهور في أحسن الحالات.
ومعروف أن كل شخص يبدي ملاحظاته على صورته ويحرص على أن تكون جميلة إن لم تكن مقبولة على أقل تقدير، أما الفتاة فهي لا ترضى عن صورتها مهما بلغت درجة الكمال، لشعورها الدائم بأنها الأجمل حتى وإن كانت أمام المرآة، كذلك اهتمامها بتسريحة شعرها ومكياجها ونادرا ما تكون مستعدة عندما يطلب منها التصوير لصحيفة، أما مسألة الخوف من التشهير أو التحسب لنظرة المجتمع فهذه معايير نسبية تتوقف على شخصية الفتاة وثقافتها، خصوصا وأن رتم الحياة الآن قد اختلف وأصبحنا نتعامل مع التقنيات الحديثة بكل ما تعنيه من تفتح في الأفكار.
وترى شاهيناز محمود ـ طالبة جامعية ـ أن موافقة الفتاة على نشر صورتها تتدخل فيها عوامل مجتمعية كثيرة وكذلك قناعة الفتاة نفسها، تقول: مع أنني لا أرى ضيرا في نشر صورتي إلا أنني أعرف أن موافقة أسرتي على ذلك ضرب من المستحيل، وأسباب الرفض مجهولة لأنني لا أناقشهم في مسائل مشابهة حتى لا أفتعل المشاكل، ويكفيني أنهم وافقوا بصعوبة على أن أكمل تعليمي الجامعي، أما من ترفض نشر صورتها لأسباب مغايرة فأرى أنها ترفض نعمة الحرية التي جاءتها على طبق من ذهب، فلا شيء يضاهي أن تعبر وترى صورتك مع شباب مثلك وأنت تدلي بدلوك في قضية تخصك.
عز الدين الأسواني