ساعدت البيئة على ظهور بعض الحرف التقليدية التي تحكمها الحاجة ويقودها الذوق الرفيع، وكانت مهنة (الخواصة) هي إحدى هذه الحرف وأكثرها اقترابا من الفنون الجميلة.

هذه الحرفة عرفها أبناء السواحل قبل عشرات السنين كما يقول أنور الهنائي مدير إدارة قرية التراث والغوص بالشندغة، وأحد المولعين بتتبع الحرف التقليدية وتطورها.. ويضيف: عندما اقتضت الحاجة إلى بناء منازل للحماية من تقلبات الطقس كانت النخلة هي مصدر المواد الخام لبناء هذا النوع من البيوت الشعبية القديمة، كما كانت مصدرا متعدد الأوجه. فقد اعتمد عليها سكان الساحل ليس فقط في توفير الطعام من ثمارها، وإنما أيضا استخدموا كل مكوناتها، فصنعوا من شوكاتها الصلبة إبرة الحياكة واستخدموا الخوص في صناعة السلال المنزلية التي تحفظ الخبز ونسجوا منه فرشا للأرض وسجادا للصلاة، وسلالاً لحمل الأغراض.

وعندما ينتهي عمر النخلة تستخدم جذوعها - بعد التقطيع - في عمل الدعامات العرضية المستخدمة في بناء أسقف البيوت القديمة..أي تصل مستخرجات النخلة إلى ما يقرب من 20 نوعا. ويشير إلى ارتباط الحرفة بالمواد الأولية المتاحة، فمثلا لم تنشأ حرفة صناعة الفخار اليدوي في المناطق الصحراوية في بيئة الإمارات لعدم توافر المادة المستخدمة فيها إلا في بعض المناطق المحدودة، بينما ازدهرت الصناعات القائمة على منتجات النخيل بأنواعها، كما عرفت الصناعات اليدوية الخفيفة التي تعتمد على مستخرجات الحيوانات المتوفرة في ذات البيئة مثل الإبل والأغنام.

يؤكد أنور الهنائي أن سعف النخيل المستخرج من قلب النخلة يستخدم في صناعة سلال الفاكهة والخضراوات وفرش الأرضيات، ويستخدم الجريد اليابس في صناعة المقاعد والأسرة والأقفاص بأحجامها، بينما يستخدم السعف الأخضر في صناعة المنتجات الخفيفة مثل المكانس اليدوية و المصافي.

يشير الهنائي إلى وجود نوع خاص من سعف النخيل.. يتميز باللون الأبيض ويسهل استخدامه في إنتاج أنواع معينة من السلال وأدوات حفظ الخبز وأغطية الطعام، ويطلق عليه (اللبة) وهذا النوع تميزه الليونة فيسهل تشكيله دون أن يتعرض للكسر، ويختلف بالطبع عن سعف النخيل العادي والذي يغمر بالماء قبل تشكيله لإكسابه مرونة تساعد الخواص على العمل..

والمعروف أن الخواص هنا في الإمارات يفضل استخدام السعف الخفيف الذي تميزه الأوراق العريضة ويستعين في الأغلب بطبقة واحدة من الخوص.. ويقوم الحرفي بتعريض الأوراق للشمس بعد تجديل (تضفير) الجريد فتتحول بعد فترة من الوقت إلى اللون الأبيض وتصبح جاهزة للتشكيل.

أما السعف الملون فيتم تلوينه قبل بدء عملية التشكيل باستخدام الصبغات ذات الألوان الزاهية والتي تتوافر لدى تجار العطارة، ولتحقيق أكبر نسبة من ثبات الألوان يتم غلي الماء مع مسحوق الصبغات في إناء معد خصيصا لهذا الغرض، ثم توضع الأوراق وتترك لفترة حتى تكتسب اللون المطلوب..

وبعد جفافها تبدأ عملية التصنيع اليدوي، وهذه العملية تبدأ بعمل جدائل أو (ضفائر) من السعف يختلف عرضها باختلاف المنتج المطلوب تصنيعه، فمثلا سلال الخضراوات والفاكهة عادة كانت تصنع من الجدائل العريضة التي تناسب أطوال وأعراض السلال، كما تستخدم أيضا في صناعة السجاد خاصة سجادة الصلاة ذات الأبعاد البيضاوية، وأسقف البيوت الشعبية القديمة، وغالبا ما كان يستخدم الخواص الإبرة والخيط في رسم بعض الأشكال الهندسية التي تتميز بالدقة على جسم المنتج من الخارج أو لوضع بعض النقشات في أحرف المنتج لإضفاء اللمسة الجمالية عليه.

ويوضح أنور الهنائي أن ممارس هذه الحرفة كان يعرف بـ (الخواص) كما كان يطلق على الحرفة ذاتها (السعفيات) أو (الخواصة) وكانت المرأة الإماراتية تساعد الرجل في الجانب البسيط من هذه الحرفة مثل صناعة المنتجات المنزلية الخفيفة، ولا تزال بعض المناطق في الإمارات يمارس أهلها هذه الحرفة خاصة في المناطق الساحلية التي يتوافر بها النخيل.

وتتعدد المنتجات التي تخرج من يد الخواص وتتعدد الأغراض التي تؤديها، فهناك مثلا (المجبة) وهي غطاء متساوي الأبعاد يستخدم في تغطية الأوعية المنزلية التي تحفظ الطعام، كذلك يمكن صناعة ميزان الفواكه والخضروات من الجريد ويتكون من طرفين لكل طرف كفة ميزان مصنوعة يدويا من سعف النخيل، ويعلق على طرفي عصى طويلة ومربوط بخيوط قوية ويستخدم بكثرة في الأسواق الشعبية.

أما أهم المنتجات التي تصنع من الخوص فهي السلال بأنواعها، وعادة ما تأخذ تصاميم مختلفة باختلاف الغرض الذي سوف تستخدم فيه،ولها أحجام ومساحات مختلفة وتستخدم في عدة أغراض مثل نقل الفواكه والتمور الطازجة أو حفظ الملابس أو حفظ الأطعمة التي لا تفسد سريعا بوضعها داخل هذه السلال وتعليق السلال في سقف الحجرة.

وتعتبر (الكرمة) واحدة من المنتجات اليدوية لسعف النخيل وتصنعها في أغلب الأحيان النساء كواحدة من المستلزمات المنزلية ويتم تصنيعها من سعف النخيل وجلد الماعز بعد معالجته لإزالة ما قد يعلق به من دهون أو أنسجة، و(الكرمة) عبارة عن وعاء يستخدم في حفظ المياه ويمكن استخدامها أيضا في تصنيع الروب (الزبادي) وذلك بوضع الحليب فيها وتعريضه لدرجات حرارة معينة.. كذلك تصنع السرود من سعف النخيل وهي مائدة مستديرة يمكن وضع الطعام عليها أو استخدامها كمنضدة، وربما لا يستخدمها أي أحد في الوقت الحالي إلا لأغراض الزينة والديكور المنزلي فقط.

ومن المشغولات اليدوية المعروفة في مجتمع الإمارات ما يعرف بـ (الجراب) وهو من الأدوات المنزلية المستخدمة أيضا في حفظ وتخزين الأطعمة ذات الأعمار الطويلة نسبيا وغالبا ما يكون مخروطي الشكل، ذا تصميم مستدير وقاعدته أقل في المحيط من القمة وتقوم السيدات بتخزين كميات وفيرة من التمر داخله لفترات طويلة دون أن يهددها التلف حيث يتمتع هذا الإناء بخاصية السماح بدخول الهواء بدرجة بسيطة جدا تكفي لتجديد الجو بالداخل وبالتالي عدم توالد البكتيريا والميكروبات الضارة.

وربما كان المشعل أو (المشب) هو أصغر منتجات الخواص من استخدام سعف النخيل، والمشب يشبه عود الثقاب في الوظيفة وإن اختلف في الحجم قليلا حيث انه أكبر من عود الثقاب ويتخذ شكلا دائريا وتستخدمه السيدات في نقل النار المشتعلة من الثقاب أو أي مصدر لهب إلى الحطب أو أفران صناعة الخبز والمعجنات ويفضل استخدام سعف النخيل الجاف تماما في صناعته حيث يكون سريع الاشتعال وقادرا على القيام بوظيفته.

ومن أشكال منتجات الخوص أيضا ما يعرف بـ (الضميدة) وهو جراب صغير من الخوص يوضع فيه التمر وبعض الفواكه بغرض التخزين لفترات قصيرة، وكذلك المهفة اليدوية وتستخدم في التهوية وتشبه في الوظيفة المروحة اليدوية وإن اختلف الشكل حيث تتميز المهفة بيد طويلة وكف عريض ولازالت موجودة حاليا يحتفظ بها البعض على سبيل التذكار بالطبع.

وتعتبر المخرفة من الأشكال التراثية المهمة التي يستخدم الخوص في إنتاجها، وهي سلة تتخذ الشكل الطولي ولها يد رفيعة وإن كانت متينة ويستخدمها جامعو التمر من النخل في وضع التمر الذي تم جمعه من النخلة، وتقتضي مهمة جامع التمر من النخل أن يستخدم كلتا يديه في عملية التسلق والنزول من النخلة، لذلك يقوم بتعليق المخرفة في رقبته وبالطبع لابد أن يناسب طول اليد ـ المصنوعة من سعف النخيل أيضا الوظيفة التي تقوم بها.

ومن الأشكال المعاصرة سرير الطفل، وقد كان في الماضي يتخذ حجما أكبر وشكلا أكثر استدارة ويبطن من الداخل بمواد صوفية توفر للصغير محيطا آمنا عند حركته، وكان يستخدم الخوص في صناعته لخفة وزنه ومتانة خامته وكان يطلق عليه (المنز).

أيمن حجازي