بناء راسخ جذور أساساته ضاربة في عمق التاريخ، وبالتحديد في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، ينتصب هناك بين زحف الكتل الأسمنتية العصرية، فتراه أيقونة يضفي على المكان عبقا له مذاقه الخاص، تزدحم مداخله أمام القادمين من أرجاء المعمورة ليروا لمحة من تاريخ الإنسان الإماراتي، إنها قلعة الفهيدي التي تحولت إلي متحف يضم بين جنباته سيرة إنسانية وتراثية مفعمة بالعظمة، ويتكون بناء القلعة من طابقين سطحه العلوي غير مسقوف وهو معد لأغراض دفاعية، إذ تحوي أسواره الحجرية العليا على فتحات للبنادق.
وقد ثُبتت فيما بعد مدافع قاذفة للكرات في الزاوية الشمالية الشرقية من القلة في الفترة ما بين 1900 ـ 1920م، وهي ذات الفترة التي صُنعت فيها بوابة القلعة من خشب «التيك» وثُبّتت عليها حلقة نحاسية مستديرة الشكل، دُوّن أسفلها اسم الحاكم الشيخ سعيد بن مكتوم، أما المتحف فقد تم افتتاحه في عهد المرحوم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في إطار حرصه على التراث. فقد وجّه بترميم قلعة الفهيدي لإعدادها كمتحف يضم لمحات من تاريخ المنطقة، والذي جرى افتتاحه رسمياً في 12 مايو من عام 1971، وكان المتحف يتكون من قاعتين فقط، إلا أن التنامي المتزايد في الدولة، أدى إلى تزايد المقتنيات وأصبحت الحاجة ماسة لافتتاح متحف جديد، تمت إضافته تحت الأرض بعمق 3 .5 أمتار، وكان افتتاحه في 19 مارس 1995.
أقسام المتحف... يشتمل المتحف على ثلاثة أقسام رئيسية، تتوزع معروضاتها ضمن أغراض استخدامات القلعة قديماً، وكنوز الحضارة التاريخية والأثرية للإمارة، وهي قلعة الفهيدي التي تتضمن قاعات لدفاعات دبي القديمة، بأبراجها وقلاعها، بهيئة مجسمات وخرائط وصور، وأدوات متتالية تقليدية مستخدمة في المنطقة عبر القرنين الماضيين. وقسم التراث الذي يعرض الموروثات الثقافية للملامح الإنسانية من معالم الحياة التراثية في سياقها الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي، والبيئي، خلال القرن الماضي وبداية القرن الحاضر، وقسم الآثار الذي يعرض لمقتنيات ضمن حقبة تعود لأكثر من خمسة آلاف عام، مروراً بالحضارة العربية الإسلامية. بحيث اعتمدت العروض على أحدث أساليب التكنولوجيا الحديثة، من عروض سينمائية وتلفزيونية ونماذج وعروض حية، مع توثيق للحياة البرية في الصحراء من أشكال الطيور والحيوانات ومصادر المياه، مرفقة مع مؤثرات صوتية تخدم أغراض التوثيق.
وهناك عروض الفنون الشعبية الإماراتية، من رقصات وأدوات موسيقية من طبول، ودفوف، وناي، وربابة، وطنبورة والمنيور المصنع من أظافر الماعز المجففة والمحاكة على الجلد والتي يلفها الراقص حوله لتعطي إيقاعاً موسيقياً. بالإضافة إلى نموذج حيّ لرقصة العيّالة. بالإضافة إلى وجود نماذج للسكن القديم، المتمثل في العريش «المسكن الصيفي لسكان البحر» المكون من جريد النخيل المترابط بخيوط سعفية. وعرض لأسلوب التهوية القديم «البراجيل»، في حين يتميز المبنى الجديد بموضوعات تراثية تتماشى مع التقسيم الجغرافي للإمارة ما بين الساحل، والواحة، والصحراء. وهناك عروض لدبي في العام 1950 توضح الملامح التقليدية للتراث الشعبي من زي ومساكن وعادات وتقاليد وأسواق تجارية تعرض فيها مختلف أنواع البضائع.
عروض الواحة
الواحة، مركز التجمعات الزراعية المتواجدة في الإمارة، والتي تعتمد على نظام الفلج في ري الأراضي وهو نظام قديم يعود إلى أكثر من خمسة آلاف عام في جر المياه من المناطق الجبلية عبر قنوات ثم يتم توزيعها على الأراضي الزراعية، كما عني هذا الجزء من المتحف بعروض الرياضات العربية القديمة كسباق الهجن وسباقات الخيول ورياضة الصيد بالصقور، وهي رياضة عربية قديمة تعود إلى ما قبل الإسلام، وقد عُرفت هذه الرياضة في المنطقة، بحيث كان الناس يخرجون على شكل جماعات لاصطياد الحباري وممارسة هذه الرياضة التقليدية.
عروض الصحراء
تمثل الصحراء حياة البادية وما تحويه من أشكال متنوعة، كعروض الخيمة البدوية، والحياة التقليدية التي مارسها البدو في الصحراء متنقلين من مكان إلى آخر، وهذه العروض البدوية تشكل الأساس في التكوين الإنساني للمنطقة، وتوضح أسس العادات والتقاليد العربية في الزي والزينة واستخدام الحلي والمفارش وإيقاد النيران لاستقبال المسافرين والتماساً للدفء في ليالي الصحراء المظلمة.
كما عرفت المنطقة بأنها كانت حلقة وصل منذ القدم بين الشرق والغرب نظراً لموقعها الجغرافي، مما هيأ لها وسيلة الاتصال مع العالم الخارجي إلى جانب شظف العيش الذي أجبر الإنسان على ارتياد البحار.
عروض البحر
اتجه إنسان هذه المنطقة إلى تصنيع القوارب الخشبية والسفن التي ارتاد بها البحر للغوص والصيد والتجارة، ومن هذه السفن المعروضة في متحف دبي، البوم، البتيل وغيرها فقد تعددت أنواع السفن المحلية التي عرفت بدقة التصنيع وجمالها وانسيابيتها ومنها: الجالبوت، السنبوك، الصمعاء، البقارة، البغلة، الشوعي، الشاشة، الهوري والبانوس، وهناك عرض لطريقة تصنيع السفن، وعروض خلابة تمثل رحلة الغواص إلى الأعماق وهو يبحث عن المحار وقد ارتدى أزياء الغوص التقليدية، إلى جانب وجود العديد من أدوات الغوص وأدوات الصيد كالليخ والقرقور وغيرهما. وقد تميّز الخليج العربي بمياهه الدافئة التي تحوي أكثر من 300 نوع من أنواع السمك.
عروض الآثار
ثمة أدوات مستخرجة من المداخن توضح التسلسل التاريخي الذي مرت به الإمارة منذ الألف الثالث والثاني والأول ق.م، وحتى العصر الإسلامي في القرنين التاسع والعاشر الميلادي. إبان عهد الدولة الأموية والعباسية.
حيث كانت دبي مركزاً تجارياً مهماً بين عمان وداخل الجزيرة العربية، والتي تؤكد أن المنطقة كانت قديماً آهلة بالسكان وكانت تتمتع بمكانة تجارية مرموقة، مما أثراها وهيأ لها سبل تكوين مجتمع ذي خصائص محددة. ويعد متحف دبي مكانا يدمج بين الحاضر والماضي بأسلوب عصري، إذ يقوم بعرض بياناته ومعلوماته بأساليب التقنية الحديثة المعتمدة على الصوت والصورة.
إضاءة
قلعة الفهيدي الأثرية التي يعود بناؤها إلى عام 1778، في الجهة الجنوبية لخور دبي، هي إحدى القلاع التاريخية في الإمارة، مربعة الشكل بمساحة 1535 متراً مربعاً، حجارتها مرجانية ومطلية بالجص، ومسقوفة بجذوع النخيل المترابطة مع الخشب، تحيط بها ثلاثة أبراج دفاعية وتتكون من ثلاث ردهات ذات نوافذ وأبواب ضيقة مطلّة على الساحة المكشوفة، وفي عام 1971 تحولت إلى متحف دبي.
عز الدين الأسواني