اهتم الكثيرون بصناعة القوارب الخشبية على اختلاف الأغراض المستخدمة فيها.. فهناك قوارب الصيد وهناك قوارب النزهة وثالثة للسفر ورابعة لحماية الشواطيء وخامسة عبرات من شاطيء إلى آخر وسادسة للغوص وسابعة للمسابقات الرياضية..
ورغم اختلاف الأغراض من الاستخدام ورغم اختلاف الأحجام مابين القوارب الصغيرة التي تتسع لشخصين فقط والسفن العملاقة التي يمكنها حمل آلاف المسافرين بأمتعتهم وسياراتهم، إلا أن جميع المراكب تتفق في خامات التصنيع وطريقة ومراحل العمل وأساليب الحماية والأمان. بدأ عبيد جمعة بن سلوم مهنته في بناء السفن وقوارب الصيد الضخمة وترميمها منذ ما يزيد على 60 عاما.
غير أنه يتذكر فترة الثمانينات باعتبارها كانت العهد الذهبي لصناعة القوارب خاصة المستخدمة في الأغراض السياحية والصيد، ويحدد العام 1985 بأنه كان العام الذي شهد قمة الطلب من حيث العدد والنوعية على القوارب... يقول عبيد جمعة بن سلوم ان صناعة القوارب كانت مهنته عندما كان عمره 6 سنوات وتعلم وقتها تسوية الألواح الخشبية استعدادا لاستخدامها في بناء القارب أو إجراء الترميمات البسيطة التي لا تحتاج لمهارات عالية وبعد فترة تعلم الفنون المتصلة بهذه الصناعة المهمة حتى أدرك الاحتراف.. ومع مرور الوقت تطورت مهنة الآباء والأجداد لتصل إلى المراحل الحالية، ويضيف ان عملية ترميم القارب أو (المحمل) كما نسميه في مجالنا تمر بمراحل عديدة تبدأ بسحبه من المياه إلى داخل المصنع وكانت تتم في الماضي في وقت طويل قد يصل إلى أيام بسبب افتقار العمل إلى الوسائل المساعدة.. أما الآن فمع توافر الروافع بأنواعها أصبح رفع القارب لايستغرق أكثر من 20 دقيقة.
ويضيف بن سلوم ان عملية استكشاف القصور تبدأ بفحص جسم القارب وترميم بعض المناطق المتآكلة أو الضعيفة أو التالفة بسبب عوامل التعرية والأملاح وتأثير المياه أو ترميم الضربات الجانبية الناتجة عن اصطدامات جانبية بالمناطق الحادة من الصخور، او في بعض الأحيان قد تتسبب المسامير في تلفيات بجسم القارب.. ويقوم بذلك شخص متخصص في هذا المجال ثم مراجعة الأجزاء الميكانيكية والمروحة السفلية وكل الأجزاء المرتبطة بعملية التشغيل ويقوم بذلك شخص آخر متخصص في الأعمال الميكانيكية ثم إصلاح العطب وإجراء مراجعة شاملة ومتأنية لجميع الأجزاء الداخلية قبل إنزاله مرة أخرى إلى المياه لتجربته والتحقق من إصلاحه قبل تسليمه للعميل.
يؤكد عبيد بن سلوم أن زمن إصلاح القارب يتفاوت مابين سبعة أيام إلى ثلاثة شهور حسب نوع العطل وعيوب الجسم مؤكدا أن الأجهزة الحديثة ساعدت على سرعة اكتشاف الأعطال ومن ثم سرعة علاجها، وقد أصبح الكمبيوتر أحد أهم الأجهزة المساعدة في العمل.
وعن صناعة القوارب الجديدة يقول عبيد ان تصنيع القارب أيا كان حجمه يمر بمراحل عديدة تبدأ بوضع التصميم الخاص به ويتوقف ذلك على طلب العميل وطبيعة الاستخدام المنتظر للقارب، ومع التصميم توضع المقاسات المطلوبة ثم يبدأ تقطيع الخشب من الجذوع الضخمة التي تراها إلى ألواح ذات سماكات خاصة يتم تحديدها بناء على نوع التصميم ولابد أن تكون سماكة الألواح متساوية حتى تتناسب مع بعضها البعض عند التركيب، ثم يقوم المختصون بقص هذه الألواح حسب التصميم الهندسي المطلوب ويقوم آخرون بتنعيمها باستخدام أدوات خاصة تعمل على إزالة النتوءات البارزة تمهيدا لطلائها بأنواع خاصة من الطلاء تتميز بقدرة عالية على تحمل درجات الحرارة واختلافاتها المتكررة من الحرارة العالية إلى البرودة الشديدة.
ويستخدم خشب السدر في بناء العمود الفقري للقارب وهو عمود طولي يمتد أسفل القارب ويستخدم كذلك في صناعة الجدران الجانبية باعتباره من الأنواع الجيدة التي تتحمل الاتصال مع المياه لفترات طويلة ولا يتأثر بنسبة الملوحة المرتفعة في مياه البحر. ويشير عبيد جمعة إلى أن عملية بناء القارب تبدأ من أسفل حيث نقوم بوضع القاعدة السفلية ونستخدم في صنعها قطعة طولية من جذع شجرة السدر ثم نقوم بتركيب أجزاء التوجيه في المؤخرة وهي قطعة معدنية مسطحة تعمل على التحكم في وجهة القارب وعلى حفظ التوازن أثناء الإبحار.. ثم نقوم بتركيب القائم الأمامي للقارب الذي يعتبر أحد أهم القوائم التي ترتكز عليها الألواح العرضية.
ويضيف عبيد ان المرحلة التالية هي القيام بقياس الأبعاد والأوزان الخاصة بالقارب وكانت تتم في الماضي باستخدام ميزان المياه ثم أصبحت الأساليب الحديثة تستخدم الكمبيوتر والطرق التقنية اللازمة لضبط عنصر التساوي بين الجانبين وهي مرحلة مهمة لا تتصل فقط بكفاءة أداء القارب ولكنها ترتبط أيضا بعنصر الأمن والسلامة.
ثم المرحلة التالية هي وضع الألواح العرضية التي تمسك بجوانب القارب وتسمى (الهداريس) وبعد تركيبها تتم تحشية الفراغات مابين الألواح بمواد عازلة ولاصقة خاصة تمنع تسرب المياه إلى داخل القارب ويدخل في تصنيعها القطن ثم يصبح القارب جاهزا للطلاء ومن ثم لوضع التمديدات الكهربائية والصحية والخدمية اللازمة للاستخدام.
وفي هذه المرحلة يقوم المختصون بوضع الأسلاك الكهربائية في ممراتها المحددة داخل جدران القارب.
وعن التكلفة المادية لصناعة القارب يقول عبيد بن سلوم انها تتوقف على عدة عوامل أهمها مواصفات التصميم من حيث الطول والعرض والحجم وقيمة المواد الخام المستخدمة في تنفيذ التصاميم والتشطيب النهائي والتمديدات الملحقة، كما تتوقف على نوع الماكينة المستخدمة في القارب والمواد الخام المستخدمة في تصنيع الأجزاء الداخلية.. وبصفة عامة تبدأ تكلفة بناء القارب الواحد مابين عشرين ألف درهم وتصل إلى مليونين ونصف المليون درهم.
وينبه عبيد بن سلوم إلى أن بعض القوارب المستخدمة في مجالات السياحة يتم تجهيزها بتجهيزات خاصة وبعضها يبنى من أكثر من طابق وتحتوي على تجهيزات ترفيهية ترفع من التكلفة الإجمالية للقارب أو السفينة.
وعن العمر الافتراضي المتوقع للقارب يقول عبيد بن سلوم ان هناك مجموعة عوامل متداخلة ومتصلة تسهم في تحديد عمر القارب من أهمها الخامات المستخدمة في البناء وعمر الخشب المستخدم وفترات إجراء الفحص والصيانة، والمقصود هنا ليس فقط صيانة الأجزاء الميكانيكية والمحرك كما يخطيء البعض عندما يتصور ذلك.. الصيانة بمعناها العام هي فحص كل الأجزاء المكونة للقارب.
خاصة الجسم الخشبي، حيث يتعرض ذلك الجزء لعوامل التعرية من غبار وأدخنة ومياه وهواء وكذلك الملوحة، كما قد يتعرض لنخر السوس والديدان، وهي مرحلة خطيرة تؤدي إلى نهاية حياة القارب نظرا لما تسببه من خسائر لا يمكن علاجها.. وبشكل عام يتراوح عمر القارب مابين 20 إلى 30 عاما.
يؤكد عبيد أن أبناءه حرصوا على أن يتعلموا هذه المهنة رغم انشغالاتهم بمجالات أخرى إلا أنهم لايزالون يحافظون على تراث الأجداد ويحرصون على متابعة الجديد في مجال صناعة وإصلاح وترميم السفن والقوارب.
وعن أهم أنواع القوارب التراثية المعروفة يقول عبيد انها (جالبوت) وتستخدم في الغوص والبحث عن اللؤلؤ والصيد في الأعماق البعيدة، والسنبوك والشوعي والبوم.
إضاءة
تختلف التجهيزات الداخلية لكل قارب أو سفينة بحسب الغرض من الاستخدام.. يقول عبيد بن سلوم ان سفن الصيد التي تذهب في رحلات طويلة في أعالي البحار تحتاج إلى صيانة من نوع خاص كما تجهز بوسائل إعاشة ووسائل اتصالات لاسلكية مع السفن الأخرى والجهات المعنية بالبر، أما قوارب الرحلات القصيرة فيمكن أن تدخل في تصنيعها مواد إضافية مثل الفايبرغلاس.
أيمن حجازي