بينما تجتاح موجة من الاستنكار والغضب الأوساط الرسمية وشبه الرسمية في مصر احتجاجا على بعض الأعمال الفنية والسينمائية التي تظهر هنا و هناك على غرار «إعدام فرعون» وهو فيلم وثائقي من إنتاج الإيرانية فروز رجايي فر يتناول عملية اغتيال الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات ويدين سياسة «كامب ديفيد».
يلف صمت مطبق حول كتاب الصحافي البريطاني جون برادلي «داخل مصر، بلاد الفراعنة على حافة الثورة» الذي يعرب فيه المؤلف عن اعتقاده بأن مصر أصبحت في انتظار «ثورة مضادة» لثورة الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952 زاعماً أنها «أكثر دولة عربية يشيع فيها التعذيب والفساد»، فيما يصف المعارضة المصرية بأنها «متواطئة» مع النظام في «تخبطه بلا هدف».
والذي فرضت عليه السلطات السياسية والدوائر الثقافية حالة غير مسبوقة من التعتيم والحظر لأن البعض يرى أن محتوى الكتاب مبالغ فيه ولا يعكس واقع المجتمع المصري، علما بأن الكاتب يستند إلى روايات شخصيات معروفة من بينها الروائي المصري علاء الأسواني واسع الانتشار في مصر والبلدان العربية كافة.هذان الحدثان الثقافيان بأبعادهما الفكرية والسياسية يقودان إلى قضايا استراتيجية حساسة.
الاستمرار في إدارة الظهر لها ومحاولة ارجائها لن يفضي إلى شيء سوى مفاقمة أزمة الثقة بين المجتمعات البشرية عموما وبين فئات المجتمع الواحد على وجه الخصوص، ذلك أنه من غير المنطقي تجاهل حقائق قائمة على الأرض وحوارات مفتوحة على أشدها بين مكونات هذه المجتمعات، والأهم من هذا وذاك يكمن في أنهما لا يشكلان سوى نقطة في بحر محاولات إلغاء الآخر.
والمشكلة أن هذا المنهج يمعن، بهذه الطريقة، في تثبيت نظريات خطيرة تهدد العالم وتضعه ضمن دائرة ساخنة لصراعات لا نهائية وتجعل منه مكانا ضيقا للعيش.كما يبدو أن رفض البعض لأطروحات هنغنتون وفوكوياما وغيرهما من منظري الرأسمالية الاحتكارية لا يخرج عن الاطار الشكلي للمسألة ولا يرتقي إلى مستوى التصدي لمهمة إيجاد بديل صحي سليم قادر على إخراج الانسانية من هذا المطب الفكري ويضعها على سكة تلاقي الحضارات والحوار فيما بينها، لا لسبب إلا لأن ذلك يتسق وتطلعات وحاجات المجتمع البشري نحو فتح حوار بين سائر مكوناته العقائدية والعرقية والقومية.
كما أن رفض هذه الأطروحات أو رفض هذا الكتاب أو ذاك الفيلم يتطلب بذل جهود كبيرة لمحاورة أصحاب هذه النظريات وتلك الأطروحات والأعمال الفنية بغية ومناقشتها دحضها بشكل علمي وموضوعي وعدم الاكتفاء برفضها، لكن ما يدعو للأسف هو أن البعض ركب الموجة وجعل منها مجرد واجهة للتستر على ممارسات تتناقض وجوهر التعايش السلمي بين الحضارات وثقافة الحوار والمشترك الانساني بين سائر الأمم والملل.
والأمر المؤكد هو أنه من غير الممكن الحديث عن أي حوار انساني في ظل تحويل الفنون والآداب إلى وسائل قتالية لمهاجمة الخصوم على غرار ما حصل للفيلم الوثائقي والكتاب آنفي الذكر.
ان ما يدعو للأسف هو أن العقل الرسمي العربي والاسلامي لم يصل إلى مستويات جدية في محاولة إيجاد حلول حقيقية تخرج العالم من هذا النفق المظلم، ومخطيء من يعتقد أن ما يسمى «الحرب على الإرهاب» هي الرد المناسب والسليم على صعود نجم الحركات والأحزاب السياسية الاسلامية في العالم العربي والعالم، والتي لا يمكن الاستمرار في التعامل معها عبر الغرف المظلة أو سراديب وأقبية الأجهزة الأمنية الرطبة، لا بد من الخروج بهذه القضية الحوية والحساسة إلى العلن.
لنعترف بأنه ثمة حرب حقيقية طاحنة بين تيارين رئيسيين، تيار الدفاع عن بقع مظلة في المجتمعات العربية والاسلامية جل ما يفعله هو إعادة استخدام مقولات صراع الحضارات محاولا تخريب العقل العربي أو تعطيله من جهة، وتيار آخر يحاول قول ولو جانب من الحقيقة على طريق إشعال شمعة قد تلقي الضوء على حقيقة ما يجري من الجهة الأخرى وتضع المسألة على بساط بحث مجد من الجهة الأخرى.
المهم هو الصراحة والشفافية والانفتاح على الآخر وعدم الغائه والاعتراف بوجوده، وإلا فإن آلة تفريخ العقليات المتحجرة والمنغلقة على نفسها ستبقى تعمل وقد تزداد قدرتها الانتاجية في ظل غياب الحريات والبرامج والإجابات اللازمة.