منذ سنوات وقضية الاسرى العرب تفتح ملفاتها في دولة أو أخرى ، ولكن لا تلبث الأمور أن تنام وتهدأ، لغياب العمل المنظم القادر على تزخيم لحظات الضعف أو الكسل. وهذا هو الفارق بين ما فعله حزب الله وبين ما تفعله بعض الدول العربية، وهذا أيضا ما تفهمه اسرائيل.
يوجد في السجون الاسرائيلية نحو أحد عشر ألف أسير فلسطيني، وعشرات من الأسرى العرب، ليس بينهم أي أسير لبناني. لأن حزب الله أجبر اسرائيل على الافراج عن اللبنانيين جميعا.
وتكمن قوة ما فعله الحزب في انه أجبر اسرائيل على التخلي عن أحد ثوابتها الأمنية تجاه الأسرى والمعتقلين، فهي كانت ترفع شعار لا افراج عن أي أسير قتل اسرائيليا، ولكن الحزب اسقط هذا المبدأ، وجعله نقمة على اسرائيل، فقد أفرجت مكرهة ذليلة عن سمير القنطار، فجن جنونها وفضحت عنصريتها، عندما اعلنت أنها ستطارده وتقتله.
هذا الدرس تعيه حركة حماس فأسرت منذ مدة الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليط . ولا تزال تفاوض بشأنه، فالحركة طلبت في البداية بالافراج عن ألف اسير فلسطيني، ثم خفضت العدد الى 451 اسيرا. لكن اسرائيل تريد عددا أقل من ذلك. وعلى الجانب الآخر تقف السلطة الفلسطينية على باب أولمرت ترجوه ألا يبرم الصفقة مع حماس، وانما اهداؤه للرئيس محمود عباس، لاجهاض أي انتصار يمكن أن تحققه الحركة على غرار ما فعله حزب الله .
وقد نشرت بعض الصحف الاسرائيلية مؤخرا ان الرئيس عباس هدد بحل السلطة الفلسطينية، ان استجابت اسرائيل لمطالب حماس في موضوع الأسرى .
المؤسف أن الخبر يبدو صحيحا، اذ لم يكذبه أي مسؤول فلسطيني في رام الله. على الرغم من حساسية هذه النوعية من الأخبار بالنسبة لأبناء الشعب الفلسطيني، فكل بيت في غزة ورام الله فيه أسير أو أكثر. وتكاد قضية الأسرى تكون هى الجامع بين كل الفلسطينيين، مهما اختلفوا أو تعددت انتماءاتهم السياسية.
ومن الملاحظ أن كل ما قدمته اسرائيل للسلطة الفلسطينية- حتى الآن- مجرد وعود. أما ما يتم مع حماس فهو مفاوضات تتم عن طريق طرف ثالث، وهو ما يجعل موقف حماس أقوى، فلديها ورقة شاليط للتفاوض عليها ، اما السلطة فليس لديها سوى حسن النوايا من جانب اسرائيل.
ولو ان الطرفين جمدا خلافاتهما فقط في قضية الأسرى، لتمكنا من اجبار اسرائيل على الخضوع للارادة الفلسطينية الموحدة. لكن الانقسام وممارسة الكيد السياسي والتسابق الساذج، أضعف موقفهما معا، مما أوقع الأسرى بين المخلب الاسرائيلي والمخلب الفلسطيني المزدوج.
على الرغم من ان وزير شؤون الأسرى الفلسطيني في حكومة رام الله أشرف العجرمي أرسل اشارات لكل الأطراف، بعد الافراج عن سمير القنطار وزملائه، قائلا ان نجاح صفقة حزب الله يعني أن اسرائيل لا تعرف سوى لغة القوة للافراج عن الأسرى.
ان الأزمة الفلسطينية على صعيد قضية الأسرى ليست حالة عربية فريدة، بل شبه عامة، فالحكومة الأردنية مثلا غير قادرة على الافراج عن أسراها لدى اسرائيل، والأكثر من ذلك ان قضية الأسرى الأربعة المحتجزين في سجن قفقفا الأردني تسبب حرجا للحكومة، فلا هي قادرة على الافراج عنهم، ولا هي أقنعت الناس بصوابية موقفها.
وهذا الموقف الصعب تعيشه أيضا الحكومة المصرية بشأن الجنود الأسرى الذين قتلتهم اسرائيل في حرب1967بعد أسرهم. فلا أحد يريد فتح هذا الملف، والأمل على أشده في ان يطويه النسيان، حتى لا تغضب اسرائيل.
ان موضوع الأسرى العرب قابل للتفاعل في مقبل الأيام، وليس من المستبعد ان يلجأ بعض من أهالي الأسرى الى القفز على جهود الدول والحكومات، من خلال اختطاف اسرائيليين لابدالهم بأبنائهم الأسرى، على غرار ما فعل حزب الله وحماس. فذلك هو النهج الذي ثبت فاعليته ونجاحه على الأرض ضد اسرائيل.