قد يكون من الصعب على الرئيس الباكستاني برويز مشرف الذي تحاصره المشاكل والأزمات من كل اتجاه، أن يبقى على كرسي الرئاسة، بعد أن تكاتف خصومه واتحدت صفوفهم ضده بل وانضم الى تلك الصفوف حشد من أنصاره للخلاص من حكمه الذي دام تسع سنوات تشبث خلالها بالحكم الى أقصى درجة.

شاءت ارادة الخصوم، وربما الصدفة أن يبدأوا اجراءات ازاحة مشرف عن السلطة في نفس اليوم الذي احتفل فيه بعيد ميلاده الخامس والستين وهو الاثنين الماضي. عريضة الاتهام الموجهة ضده.. تجبره ـ كما يقول الائتلاف الحاكم الذي أعدها ـ على أن يستقيل فورا بدلا من أن يدافع عن نفسه ضد قرار إقالته. فالأدلة المصاحبة لعريضة الاتهام ـ حسب وزير العدل الباكستاني فاروق نائق ـ ستقوض الحاجة للتحقيق في الاتهامات الموجهة ضد مشرف . والاتهامات تتعلق بانتهاك الدستور وقيامه بانقلاب على حكومة مدنية منتخبة عام 1999 وفرض الاحكام العرفية، الى جانب عملية قتل طلاب المسجد الاحمر في اسلام اباد وعزل القضاة والسماح للقوى الاجنبية في التدخل في سياسة البلاد. المثالب التي يراها الائتلاف الحكومي في مشرف لا تقتصر على ذلك، يتهمونه أيضا بتقويض المرحلة الانتقالية إلى الديمقراطية. فعلى الرغم من أنه تعهد بتقديم استقالته إذا خسر حزبه في الانتخابات العامة التي أجريت في فبراير الماضي، الا أنه استمر في التمسك بمنصب الرئاسة بعد هزيمة حزبه وحلفائه. ورغم أنه تم انتخابه في أكتوبر الماضي من قبل برلمان مستقيل، إلا أنه لم يطلب التصويت بالثقة من قبل الجمعية الوطنية المنتخبة الجديدة.

يضاف الى ذلك إعلانه حالة الطوارئ في نوفمبر وإقالته لعدد من قضاة المحكمة العليا ومن بينهم رئيسها افتخار تشودري. خصومه يرون أيضا أن مشرف انتهج سياسات اقتصادية خلال سنوات حكمه أوصلت باكستان إلى حافة الأزمة الاقتصادية الخطيرة. وأصبحت البلاد تواجه أسوأ أزمة نقص في الطاقة وإمدادات الكهرباء على مدى تاريخها. كل هذا دفع وزير العدل نائق الى أن يقول صراحة «أتمنى أن يستقيل السيد مشرف بشكل طوعي من أجل الاستعادة الكاملة للدستور وبقاء الأمة وتعزيز الديمقراطية». زعيما الائتلاف الحاكم وهما الرئيس المشارك لحزب الشعب الباكستاني آصف علي زرداري( أرمل بي نظير بوتو) ورئيس الرابطة الإسلامية جناح «ن» نواز شريف، بالإضافة الى أحزاب صغيرة أخرى، اجتمعوا على كلمة رجل واحد ضد مشرف. اتفقوا على أن يخضع للمساءلة.

واذا كان ذلك يتطلب موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، أي 295 صوتا في الجلسة المشتركة لمجلسي البرلمان ـ الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ ـ والتي تضم 442 نائبا، فوزيرة الاعلام شيري رحمن أكدت أن الائتلاف الحاكم حصل على تأييد 350 نائبا لتأمين النصاب القانوني لمساءلة الرئيس. وبالتالي يواجه مشرف قرار العزل بموجب المادة السابعة والأربعين من الدستور الباكستاني.

(هذه المادة تنص على انه يمكن اقالة الرئيس في حال اصابته بعاهة جسدية او عقلية او في حال اتهم بانتهاك الدستور او بارتكاب خطأ فادح).

مساءلة مشرف ـ اذا تمت ـ ستكون ـ كما يراها الائتلاف ـ انتقالا يسيرا من الدكتاتورية الى الديمقراطية الحقيقية. كما ستكون أيضا سابقة لم تحدث من قبل.

عموما.. الصعوبات التي يواجهها مشرف وتهدد حكمه، ليس سببها فقط قوة هذا الحشد الهائل من الساسة الباكستانيين الذين يطالبونه بالاستقالة والقادرين على تحريك الشارع ضده. ولكن حياد الجيش الذي يبدو حتى الآن وكأنه يرفض التدخل في السياسة، هو الذي يجعل مشرف بلا غطاء واق من الأعاصير السياسية التي هبت عليه.

الجيش المكون من نصف مليون جندي.. كان درعه الواقي وسلاحه في مواجهة خصومه . ولكن ذلك قبل تخليه عن قيادته العام الماضي بعد اعادة انتخابه لفترة رئاسية جديدة مدتها خمس سنوات.

صورة هذا الجيش.. اهتزت في عهد مشرف بسبب دوره في دعم الحرب الاميركية على الارهاب والتي لا تحظى بشعبية في الشارع الباكستاني . وحتى الآن لم يعلن الجيش بشكل واضح أنه مستعد لانقاذ قائده السابق مشرف.

كل شيء في يدي قائد الجيش الجنرال أشفق كياني. أي ان مصير مشرف الان في يدي القائد الذي اختاره في نوفمبر الماضي ليكون الجيش بدلا منه.

الجنرال كياني ـ الذي كان من قبل مديرا للاستخبارات ـ اكتسب سمعة طيبة على انه ملتزم باحترام الدستور من خلال ابعاد الجيش عن السياسة. ونقلت صحيفة «داون» الباكستانية الناطقة بالإنجليزية عن كياني قوله إن الجيش مهمته التركيز على الأمور العسكرية ويرفض التورط في الأمور السياسية. وزعم مسؤول كبير في حزب الشعب الباكستاني، ان الجنرال اشفاق كياني اقترح على مشرف تقديم استقالته خلال اسبوع بعد ان اعلن الائتلاف الحاكم الخميس قبل الماضي محاسبته.

ونقلت صحيفة ديلي تايمز الباكستانية عن مصادر ان الجيش اوضح لمشرف ان المواجهة بينه وبين الحكومة الائتلافية ليست في صالح باكستان. ونسب الى مستشار سابق للرئيس قوله بان الجيش سيضمن لمشرف كافة المراسم عند استقالته حيث ان القيادة العسكرية لا تريد ان يتعرض مشرف للمحاسبة.

هذا هو موقف الجيش الذي انتسب اليه مشرف. حشد كبير من أنصاره أيضا يفضلون أن تنتهى الأزمة سلميا دون انتهاك للدستور ودون الاساءة الى شخص مشرف، بمعنى أن مثل هؤلاء الأنصار يفضلون ان يستقيل بدلا من أن يُقال. فمثلا.. زعيم حزب الرابطة الإسلامية ـ قائد جناح أعظم ـ شودري شجاع حسين طلب من مشرف مواجهة إجراءات العزل.

وقال إنه إذا قرر الرئيس الباكستاني مواجهة تلك الإجراءات ديمقراطياً، فإن حزبه سيقف إلى جانبه، وفي حال لجأ إلى استخدام المادة 85 من الدستور الفقرة الثانية التي تعطي للرئيس حق حل البرلمان، فإن الحزب لن يقف إلى جانبه. ويفضل شودري أن يتنحى مشرف قبل البدء بإجراءات العزل، وبذلك يكون قد حصل على فرصة الخروج المشرّف من السلطة.

وفي تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، قال مشاهد حسين الامين العام لحزب الرابطة وهو أحد المؤيدين الأقوياء لمشرف وكان عادة إلى جانبه: أمام مشرف خياران اما مواجهة تحرك الاتهام أو الاستقالة والذهاب للمنزل في هدوء». وتعهد مشاهد حسين بالدفاع عنه، غير أنه اقر بأن الرئيس الباكستاني ارتكب بعض الأخطاء. وأكد: «لا اعتقد ان حل البرلمان سيكون الخيار الافضل بالنسبة له، فليس هناك أي شخص في البلاد سيقوم بتأييد ذلك الفعل».

وبعض اعضاء البرلمان من حزب «قائد جناح أعظم» يطالبون مشرف بالفعل بأن يتخلى عن السلطة. ويقول ساردار بهادار خام أحد أعضاء البرلمان عن الحزب ان هناك نحو 16 الى 17 عضوا من الحزب في الجمعية الوطنية سيقومون بالتصويت ضد الرئيس، ونحو سبعة الى ثمانية منهم في مجلس الشيوخ.

والاعلام الذي له دوره في التأثير على الشارع الباكستاني، يؤيد في معظمه رحيل مشرف.

صحف باكستانية عديدة، تفضل أن يستقيل بدلا من جر البلاد نحو مزيد من الاضطرابات السياسية. صحيفة نيوز وهي الاصدار الرئيسي باللغة الانجليزية لمجموعة جانج الاعلامية الضخمة قال «من أجل مصلحتنا جميعا حافظ على كرامتك وارحل بهدوء».

ولكن .. هناك مقربون ومؤيدون آخرون لمشرف، يرون أن اقالته يمكن أن تفاقم الأوضاع غير المستقرة وتزيد من أجواء الفوضى السياسية في باكستان في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة اقتصادية خانقة ومن تزايد تأثير المتشددين. حيث تدهور الوضع الامني في انحاء شمال غرب باكستان في الأسابيع الأخيرة وسط ضغوط متصاعدة من الحلفاء الغربيين على باكستان لمنع المتشددين من شن هجمات عبر الحدود على قواتهم في افغانستان. وكان العنف قد تراجع في تلك المناطق بعد ان تولت حكومة ائتلافية السلطة بعد انتخابات فبراير وبدأت محادثات مع المتشددين من خلال زعماء العشائر. لكن الهدوء انتهى وصعد المتشددون هجماتهم بعد ان علق زعيمهم بيت الله محسود المحادثات في يونيو الماضي.

ولكن .. ماذا عن موقف أميركا من الأزمة الخانقة التي تواجه مشرف؟

الرئيس الباكستاني كان بالنسبة للولايات المتحدة حليفها الأول في الحرب على الإرهاب فور أحداث 11 سبتمبر 2001. دعمته وساندت حكمه. والآن تلتزم الصمت أمام اعصار معارضيه الذي يهز أرجاء حكم مشرف. علقت الخارجية الاميركية على ما يحدث بالقول : إنه شأن داخلي!

في هذه الظروف القاسية عليه، يوازن مشرف خياراته بحرص، ويُعتقد أنه استبعد استخدام سلطاته لحل البرلمان لتجنب توجيه الاتهام له. وذكرت شبكة جيو تي في التلفزيونية الباكستانية أن مشرف أجرى اتصالات مع عدد من حلفائه بمن فيهم الخبير الدستوري شريف الدين بيرزاده بهدف الوقوف على رأيهم في كيفية تحصين نفسه ضد مسيرة العزل. كما أنه يراجع التطورات السياسية في البلاد وسوف يقرر تصرفه المستقبلي بعد دراسة المزاعم التي يثيرها ضده الائتلاف الحاكم. وكان قد قال في الماضي انه يفضل التنحى عن الرئاسة على الخضوع لعملية مساءلة من جانب البرلمان الذي يحفل بأعدائه. واكد ـ من قبل ـ انه لن يستخدم سلطاته لحل البرلمان.

وفي نفس يوم بدء اجتماعات البرلمان الخاصة باجراءات اقالته (الاثنين الماضي)، صرح مشرف بانه لا يرى أي سبب لاستقالته، مما يؤشر الى عملية طويلة ومعقدة لمواجهة على اعلى مستويات الدولة كما تشير وكالة الصحافة الفرنسية. وقال رشيد قرشي المتحدث باسم مشرف لوكالة فرانس برس أنه ليس هناك اي سبب لاستقالته وكل ما يقولونه (اعداؤه السياسيون) خاطيء.

ولكن منتقديه يقولون ان الرئيس الباكستاني الذي لا يمكن التبنؤ بأفعاله يعاني من «عقدة المنقذ» وقد يتخذ قرار حل البرلمان للتخلص من خصومه الذين يعتقد أنهم يتسببون في احداث حالة من الفوضى في حكم باكستان. ولفعل ذلك سيحتاج الى دعم الجيش وهو ما وصفه محللون بأنه «أسوأ التصورات».

الجيش ـ على ما يبدو ـ ارتضى بالحكم الديمقراطي الذي بدأ بهزيمة الاحزاب الموالية لمشرف في انتخابات فبراير..

ولكن المراقبين يرون أن ذلك لا يعني أن يظل الجنرالات صامتين اذا تعرض قائدهم السابق برويز مشرف لاجراء مذل من معارضيه في البرلمان .

إضاءة

أعاد الجنرال مشرف بانقلابه عام 1999على حكومة نواز شريف المنتخبة، الجيش إلى سدة الحكم بعد غياب زاد على عشر سنوات، أي منذ مصرع الجنرال ضياء الحق في 1988.

وحكم العسكر 30 سنة بانقلابات عسكرية . وخلال السنوات ال15 الاولى التي تلت الاستقلال بقيادة محمد علي جناح لم تجر أي انتخابات لانه لم يتم الاتفاق على دستور دائم.

أول انتخابات أجريت عام 1963 خلال حكم الجنرال ايوب خان، والثانية عام 1965.

وفي عام 1970 جرت ثالث انتخابات في ظل الحاكم العسكري يحي خان وهي الاكثر نزاهة. فاز فيها عن باكستان الغربية ( التي صارت بنغلاديش عام 1971) زعيم حزب رابطة عوامي الشيخ مجيب الرحمن في باكستان الغربية ، بينما فاز حزب الشعب بزعامة ذو الفقار علي بوتو في باكستان الراهنة ( وكانت تسمى الشرقية).

وفي عام 1977أجريت انتخابات اثناء حكم بوتو. لكن تحالفا ضم تسعة احزاب معارضة قال انها مزورة. وقام الجنرال ضياء الحق بانقلاب عسكري انهى حكم ذو الفقار بوتو ، وكان هذا آخر انقلاب قبل أن يأتي مشرف بانقلابه عام 1999.

حسن صابر