تلاحقت الأحداث بسرعة على الساحة السياسية الموريتانية، خلال الأسابيع الماضية، وخاصة خلال الأيام الأخيرة التي سبقت «انقلاب» السادس من أغسطس الجاري، الذي أطاح الرئيس «السابق» للبلاد سيدي ولد الشيخ عبد الله، ليتولى السلطة «المجلس الأعلى للدولة» المكون من ثلاثة جنرالات (والثلاثة هم أول من يحمل هذه الرتبة في الجيش الموريتاني) وثمانية عقداء، برئاسة الجنرال محمد ولد عبد العزيز، القائد السابق للحرس الرئاسي وأحد ابرز أعضاء المجلس العسكري السابق الذي حكم موريتانيا بعد انقلاب الثالث من أغسطس 2005، واستمر في الحكم نحو عشرين شهرا اشرف خلالها على انتخابات بلدية وبرلمانية، وتوجت بانتخابات رئاسية اعتبرت نموذجا في تاريخ موريتانيا وعلى مستوى المنطقة بشكل عام.
وخلال السنة الأولى من حكم الرئيس المنتخب ولد الشيخ عبد الله، واجهت البلاد جملة من الأزمات الحادة، أمنيا واقتصاديا واجتماعيا، وعجزت الحكومة الأولى في هذه المرحلة عن مواجهتها بمعالجات جدية وحاسمة. وبعد إقالة حكومة الزين ولد زيدان منتصف مايو الماضي، فإن الحكومة التي شكلت بعدها برئاسة يحيى ولد احمد الوقف لم تأت بجديد يعزز سلطة الدولة وقدرتها على مواجهة التحديات والأزمات المتفاقمة. بل إن تعيين رئيس الوزراء الجديد وتشكيلة حكومته، قد أحدثت تصدعا عميقا داخل الأغلبية الحاكمة التي يقودها حزب «العهد الوطني للديمقراطية والتنمية» برئاسة ولد الوقف نفسه. ومع تصاعد الأزمة داخل الأغلبية وحزبها الرئيسي (والرئاسي أيضا)، أعلن أكثر من نصف أعضاء الحزب في غرفتي البرلمان (الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ) قبل يومين من الانقلاب انسحابهم من الحزب، إلى جانب برلمانيين آخرين منتمين للأغلبية. وبذلك فقد الحزب أغلبيته البرلمانية اللازمة لمنح الثقة للحكومة، وبالتالي إقرار برنامجها السياسي.
ثم جاءت «الضربة القاضية» بإقدام الرئيس على اتخاذ قرار (قيل انه اتخذ في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، ربما في غرفة النوم وليس في مكتب الرئاسة!) بإقالة جميع قادة الأجهزة العسكرية (قائد أركان الجيش، قائد الحرس الرئاسي، قائد الحرس الوطني وقائد الدرك)، فكانت ردة الفعل الفورية من هؤلاء القادة العسكريين بالاستيلاء على السلطة واعتقال الرئيس ورئيس وزرائه المعين إضافة إلى وزير الداخلية واثنين من السياسيين المقربين من الرئيس. الانقلاب في جانبه العسكري جاء سريعا ومتقنا، حيث لم يستغرق تنفيذه أكثر من ساعة واحدة، منذ إعلان مرسوم إقالة القادة العسكريين عبر الإذاعة الوطنية حوالي الساعة الثامنة صباحا وحتى اعتقال الرئيس في حدود التاسعة من ذات «الصباح الأربعائي» المثير.
أما الجانب السياسي فالظاهر أنه لم يتم التحضير له مسبقا، حيث اقتصر «البيان رقم 1» على إلغاء مرسوم الإقالة الذي كان أصدره «الرئيس السابق»، كما جاء في البيان الصادر باسم «مجلس الدولة».
وانقضت ساعات عديدة من الغموض والترقب، قبل أن تعرف تشكيلة هذا «المجلس» أو برنامج عمله السياسي للفترة المقبلة، إلى أن صدر البيان الثاني بهذه التشكيلة، ثم تلاه في وقت متأخر من الليل البيان الثالث الذي أعلن تعهد«مجلس الدولة» بإجراء انتخابات رئاسية «في اقرب وقت ممكن»، دون ذكر سقف زمني محدد لهذا ال«ممكن»! وفي حين جاءت ردود الفعل الخارجية، يشكل عام، منددة بالانقلاب ومطالبة ب«عودة الشرعية الدستورية»، فإن ردود الفعل الداخلية، سياسيا وشعبيا، تفاوتت بين الرفض الكلي وبين القبول المتحفظ والتأييد الكامل، غير أن الكفة بدت راجحة لجانب المؤيدين والمتقبلين للأمر الواقع الذي بدا مسيطرا وحاسما، امنيا وعسكريا.
حجج المعارضين أن الواقع الجديد يمثل انقلابا على الشرعية الدستورية وعلى المؤسسات الديمقراطية في البلد، أما المؤيدون فرأوا أن ما جرى هو حركة تصحيحية للمسار الديمقراطي الذي شهد انحرافا عطل المؤسسات الدستورية ومحاولات حثيثة، على ما يبدو، للعودة بالبلاد إلى ما قبل الثالث من أغسطس 2005، حين كانت الدولة على حافة الانهيار والكل يتوقون إلى التغيير الذي حظي بإجماع واسع بين كافة الأوساط السياسية والشعبية.
فهل ما قام به الجيش حركة تصحيحية بالفعل، كما يقول قادته والمؤيدون لهم؟ أم هي ردة وانتكاسة للديمقراطية الوليدة، كما يقول المعارضون والمنتقدون؟
لا شك أن الماضي القريب لمعظم الطبقة السياسية الموريتانية في تعاطيها مع ظروف مشابهة سابقة، يقلل إلى حد كبير من مصداقية مواقفها إزاء الوضع الراهن، وإن بدرجات متفاوتة. فمعظم المعارضين الآن ساندوا، وباندفاع مبالغ فيه أحيانا، انقلاب 2005، كما أن معظم المؤيدين والمساندين للوضع الجديد كانوا حتى الأمس القريب يعارضون تدخل الجيش في السياسة والدور السياسي لبعض الضباط المتنفذين الذين هم الآن على رأس السلطة!
لكن السؤال الأهم: ماذا بعد؟
«مجلس الدولة» كما سماه البيان الأول، أو «المجلس الأعلى للدولة» كما ورد في وسائل الإعلام الرسمية بعد ذلك، أجاب عن نصف السؤال، من خلال بيانه الثالث وعلى لسان رئيسه الجنرال ولد عبد العزيز، حيث وعد بانتخابات رئاسية «شفافة ونزيهة» و«في أقرب وقت ممكن».
لكن الجانب الأصعب من السؤال ما زال معلقا، وهو: كيف يتم ذلك؟ ومتى؟!
هناك ثلاثة تحديات أو عقبات أساسية على «مجلس الدولة» أن يتخطاها أولا، إذا كان يريد فعلا الوفاء بالتعهدات التي أعلنها للشعب الموريتاني وأمام الرأي العالم الدولي.
التحدي الأول يتمثل في استمرار السيطرة على الأوضاع الأمنية، وعدم التعاطي مع القوى المعارضة بصورة استفزازية تدفع الأمور في اتجاه مصادمات في الشارع واعتقالات عشوائية، أو انتقائية، قد تخرج الأمور عن نطاق السيطرة وتهدد السلم الأهلي والاستقرار الوطني.
أما التحدي الثاني، وهو مرتبط بالأول ارتباطا عضويا، فيتمثل في كيفية التعاطي مع القوى السياسية والنقابية وقوى المجتمع المدني كافة، المؤيدة والمعارضة على السواء، ومدى قدرة القيادة الجديدة على تحقيق إجماع أو شبه إجماع وطني.
كما حصل بعد تغيير الثالث من أغسطس 2005. فمما لا شك فيه أن القوى السياسية في الطرفين إذا دعيت لحوار شامل، ستدخل مع السلطة الجديدة في مساومات قد تكون شاقة ومعقدة، خاصة إذا كان بعض هذه القوى يستند إلى دعم خارجي يعول عليه أكثر مما يعول على رصيده الشعبي ووزنه الفعلي في الداخل. وإذا ما تعثرت الأمور على هذا الصعيد أو طال أمدها، فقد تتغير المواقف وتتبدل المعطيات، مما يعيد خلط الأوراق من جديد، وقد يجر إلى وضع امني غير مستقر، وربما إلى ابعد من ذلك لا سمح الله!
ويكمن التحدي الثالث في الازدواجية التشريعية واكتساب الشرعية السياسية، وخاصة على المستوى الخارجي، إذ يبدو أن تسارع الأحداث قد شغل العسكريين ومؤيديهم السياسيين معا عن التفكير في ذلك مسبقاً! فالدستور الموريتاني المعدل عام 2006 عبر استفتاء عام، يحدد بشكل واضح صلاحيات الرئيس وسبل إقالته وخلافته، حيث ينص في المادة 40 على أنه: «في حالة شغور أو مانع اعتبره المجلس الدستوري نهائيا، يتولى رئيس مجلس الشيوخ نيابة رئيس الجمهورية لتسيير الشؤون الجارية»... وأنه «لا يمكن إدخال أي تعديل على الدستور سواء عن طريق الاستفتاء أو عن طريق البرلمان خلال فترة الإنابة».
أما المادة 41 فتشترط أن: «يتحقق المجلس الدستوري من الشغور والمانع النهائي على أساس طلب من: رئيس الجمهورية، أو رئيس الجمعية الوطنية، أو الوزير الأول».
فهل «الأمر الدستوري» الذي أصدره المجلس العسكري الجديد في وقت متأخر من ليل الاثنين الماضي يكفي لحل هذه الإشكالية؟ وكيف ستتعامل معه الأطراف المعارضة محليا وخارجيا؟ وخاصة ما ورد في الفقرة الثانية من المادة الثامنة التي تقول إنه «عندما يتعرقل سير البرلمان لأي سبب كان، يتخذ رئيس المجلس الأعلى للدولة بواسطة أوامر قانونية التدابير ذات القوة التشريعية والضرورية للحفاظ على استمرارية السلطات العمومية»؟
وماذا عن المادة التاسعة التي جاء فيها «تعدل أحكام دستور 20 يوليو 1991 المعدل، المخالفة أو المتعارضة مع هذا الأمر الدستوري وذلك خلال الفترة الضرورية لتنظيم انتخابات رئاسية وتنصيب رئيس الجمهورية المنتخب»؟
وهل يعني ذلك، عمليا، إلغاء الدستور والعمل بما يشبه الأحكام العرفية، ولفترة غير محددة؟ وهل سيؤدي ذلك في النهاية إلى بقاء المجلس العسكري الجديد في السلطة حتى انتهاء الولاية الدستورية للرئيس المطاح، والتي كان يفترض أن تمتد حتى إبريل من العام 2012؟!
قد يبدو هذا الاحتمال مستبعدا في ظل الضغوط الداخلية والخارجية المطالبة بتقصير الفترة الانتقالية الحالية إلى أقل قدر ممكن، لكنه يظل احتمالا واردا في ضوء التحديات الآنفة، وفي غياب جدول زمني محدد وبرنامج عمل مفصل للمرحلة الراهنة وآفاقها المستقبلية.
يبقى أن الشعب الموريتاني هو صاحب الحق الشرعي الأصيل في تقرير من يحكمه. ومع أن الموريتانيين لم يمنحوا تأييدهم الكامل حتى الآن للواقع المستجد منذ السادس من أغسطس الجاري، إلا أن غالبيتهم العظمى قد أظهرت تأييدا واضحا لتغيير الوضع السابق وإزالة أسباب العجز وعوامل الاحتقان التي كانت تهدد بانهيار أسس الدولة، وربما الانزلاق إلى ما هو ابعد مدى واشد خطرا على كل الوطن.وعلى الجميع، داخليا وخارجيا، أن يضعوا ذلك في اعتبارهم، وان يحددوا مواقفهم على هذا الأساس وانطلاقا منه.
إضاءة
تعاقب على رئاسة موريتانيا، منذ استقلالها عام 1960، ثمانية رؤساء.
فقد كان المختار ولد داداه أول رئيس للبلاد، حتى الانقلاب الذي أطاح به في 10 يوليو 1978.
بعد انقلاب يوليو تشكلت لجنة عسكرية تولى رئاستها ورئاسة الدولة العقيد مصطفى ولد محمد السالك، إلى أن انقلب عليه زملاؤه وضباط آخرون، وهو لم يكد يكمل عامه الأول. بعد ذلك تولى العقيد محمد محمود ولد لولي رئاسة وصفت بأنها «شرفية»، استمرت نحو ستة أشهر.
وفي مارس 1980 تولى رئاسة الدولة المقدم محمد خونا ولد هيداله، الذي شهدت فترة حكمه أول محاولة انقلابية من خارج طاقم السلطة العسكرية الحاكم، وذلك في 16 مارس 1981، وقد لعب العقيد معاوية ولد الطايع، قائد الأركان حينها، دورا مهما في إفشال تلك المحاولة، بعد أن سيطر القائمون بها على مبنى الإذاعة والتلفزيون وقيادة أركان الجيش، لعدة ساعات.
وفي 12 ديسمبر 1984 انقلب العقيد ولد الطايع على زميله وحليفه السابق ولد هيداله، واستمر في الحكم حتى الإطاحة به في 3 أغسطس 2005، رغم الأزمات الخانقة والمحاولات الانقلابية العديدة التي تعرض لها قبل ذلك.
بعد تغيير الثالث من أغسطس تولى الرئاسة العقيد علي ولد محمد فال، إلى أن سلمها للرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله في 19 ابريل 2007.
وفي السادس من الشهر الثامن عام 2008، أطيح الرئيس ولد الشيخ عبد الله بانقلاب قاده الجنرال محمد ولد عبد العزيز، ليكون بذلك الرئيس الثامن لموريتانيا. فهل سيكون هناك رئيس تاسع عام 2009.
عبد الله اسحاق