السفر مع محمد راشد الشامسي، مدير عام الإدارة وشؤون الموظفين في شركة ابوظبي الوطنية للفنادق أصبح له طعم مختلف، فقد تحول الى شغف بالمعرفة واكتشاف المجهول في عادات الدول، وقد علمته خبرته كيف ينتقي الأماكن اثناء الرحلات السياحية.

بدأ الشامسي حكايته منذ خروجه مع عائلته لأول مرة الى قطر التي درس فيها الإعدادية والثانوية بالمعهد الديني الإسلامي. وما كاد أن ينهي تعليمه في قطر حتى عاد إلى حضن بلاده ليكون ضمن الدفعة الأولى التي افتتحت جامعة الإمارات عام 1977، وما ان تخرج منها عام 1981 بتخصص التربية قسم الجغرافيا، حتى تلقفته شركة أبوظبي الوطنية للفنادق التي كانت قد انشئت لتوها، وقد فتحت أمامه طريقا واسعا للتنقل بين بلدان العالم، ففي البداية ابتعثته الشركة الى بريطانيا لدراسة اللغة الإنجليزية وادارة الفنادق. إقامته الطويلة فيها كانت كفيلة بتعريفه على بريطانيا عن قرب بكل معالمها السياحية، لدرجة اصبح معها دليلا يستعين به كل من يبغي زيارة بريطانيا.

وحول تجربته يقول الشامسي: كانت تجربتي الأولى في بريطانيا رائعة، فما ان دخلتها حتى وجدت عالما مختلفا عن عالمنا من حيث الطقس والحياة الاجتماعية المفتوحة والسكان، واقامتي فيها قربتني من سكانها وارضها التي جبتها بكل اتجاهاتها، لدرجة وصلت معها الى الجزر البريطانية التي لم يعتد حتى الإنجليز على زيارتها. وخلال وجودي فيها اكتشفت أن الحياة في بريطانيا تختلف كليا بين المدينة والريف، ولكل منهما مميزاته الخاصة، فمثلا يمتاز إنجليز الريف خاصة في المناطق الشمالية (اسكتلندا) بالتواضع والطيبة، ومساعدة الآخرين، بالمقابل وجدت أن تعامل سكان الجنوب (ويلز) عادي جدا، رغم اعتيادهم على وجود جنسيات اخرى بينهم، في حين ان الحياة في المدينة صعبة ومزعجة.

وخلال مكوثي في بريطانيا زرت جميع الأماكن السياحية في لندن، حيث زرت برج لندن وجسر لندن، وسجن (الدن) الذي كان يستخدم أثناء الحرب العالمية، وتعرض فيه أساليب التعذيب القديمة، وهو واحد من الأماكن التي لا يرتادها السياح بكثرة خاصة الشرقيين منهم، كما زرت العديد من متاحفها مثل المتحف الحربي، ومتحف الآثار، والمتحف التاريخي ومعظم كنائسها العريقة، وساعة (بيغ بن) المشهورة، وغيرها. ولندن معروفة بكثرة حدائقها وابرزها حديقة (الكيز غاردن) التي يوجد بداخلها حديقة كبيرة مغطاة تضم بداخلها جميع أنواع الأشجار والنباتات في العالم. بالمقابل زرت الجزر البريطانية (شانل ايلاند)، و(لوند ايلاند)، و(ايلاند أوف وايت)، و(ايلاند أوف مان)، والتي تتمتع بطبيعة ساحرة خاصة، وبسوق حرة، وبنقاء بيئتها لعدم اعتماد الحركة فيها على السيارات.

هدوء سويسرا

واثناء دراستي في معهد (غليون) الذي يتخذ من قمم إحدى جبال لوزان السويسرية مقرا له، اقمت في سويسرا لمدة 7 اشهر. ولا أبالغ عندما أقول إنه يمكن لزائر سويسرا أن يلمس الطبيعة والخضرة في كل شيء، وحتى الأمان رغم عدم وجود جيش او شرطة فيها، وخلال اقامتي فيها زرت جميع مناطقها، وقد وجدت الطيبة والتعاون من اهلها خاصة في المناطق الريفية، والمشكلة الوحيدة التي واجهتها هناك تتعلق باللغة، فالسكان هناك متمسكون جدا بلغتهم الفرنسية.

اما في هولندا التي زرتها مرتين الأولى اثناء الجامعة، والثانية خلال عملي بهدف التعرف على خدمات فنادقها الترفيهية التي تقدمها على الطريقتين الأوروبية والروسية، فقد كان الوضع مختلفا، فمن جهة وجدت صعوبة في التعامل مع أهلها خاصة داخل المدن، رغم وجود كثافة عربية فيها خاصة في العاصمة امستردام، وتستطيع ان تستدل على الجالية العربية من خلال أصوات أم كلثوم وعبد الحليم التي تصدح في كل مكان.

ورغم انه لا يمكن لزائر امستردام ان يشعر بالأمان، إلا أنه سيشاهد أماكن رائعة الجمال، مثل القنوات المائية التي يستخدمها الجميع للتنقل، وغابات الزهور الواسعة، وهولندا معروفة بتصديرها للزهور وقد زرت مزارعها، وكذلك صناعة الأجبان، حيث تكثر فيها المراعي الخضراء وايضا تشتهر بصناعة الأحذية الخشبية، اما في المنطقة الشمالية لهولندا فمستوى الماء أعلى من مستوى الأرض، وهو ما يجعلها عرضة للفيضانات.

بالمقابل، زرت مزارع القهوة في كينيا، بالإضافة الى قبائل المسايا التي ما زالت تعيش حياة بدائية حتى اللحظة ويعتمد افرادها على الرمح والقوس في الدفاع عن انفسهم، واكتشفت ان أفراد هذه القبائل لا يقبلون النقود ويفضلون عليه اشياء مادية يمكنهم الاستفادة منها، واثناء زيارتي لكينيا ذهبت في رحلة (سفاري) التي تشكل موردا اساسيا بالنسبة لهم.

وفي هذه الرحلة زرنا غابات الحيوانات المفتوحة، وسكنا في فنادق مبنية من الخشب ومرتفعة عن الأرض بارتفاع عنق الزرافة، وكان مشرفو الفندق يقومون برفع السلالم بعد دخولنا إليها كي لا تتمكن الحيوانات من دخول الفندق، وخلال هذه الرحلة يمكن زيارة البحيرات المخصصة للحيوانات، حيث تتجسد نظرية (البقاء للأقوى)، وعليها يمكن مشاهدة صراع الحيوانات على المأكل والمشرب.

عالم الهند الغريب

ووجدت في الهند التي زرتها أكثر من مرة عالماً آخر، فهي تمتلك طبيعة عذراء لم تمسسها يد الإنسان بعد، واذا توغلت في الهند ستجد الفروق الطبقية واضحة تماما، ولدى سكانها طقوس وأديان ولغات كثيرة نعرفها ولا نعرفها، ما يجعل التعامل معهم في بعض الأماكن صعبا للغاية، وقد زرت في مناطقها الشمالية مزارع الأرز التي تعد مصدر رزقهم، في حين يعتمد الجنوبيون على صيد السمك لقربهم من البحر.

والمدن الهندية مختلفة عن بعضها البعض، فمومباي مثلا تعتبر المدينة التجارية حيث تكثر فيها تجارة الأقمشة والتوابل وغيرها، وهي مدينة جاذبة للسياحة، وتتميز نيودلهي بنظافتها وتنظيمها وقلة كثافتها السكانية. وتمتلك الهند العديد من الأماكن السياحية التي تستحق ان تزار مثل قصر تاج محل، وفندق تاج محل الأثري، وبوابة الهند وغيرها.

جمال شيراز وسحر اسطنبول

وخلال جولتي زرت مدينة شيراز الإيرانية، وقد اعجبتني اماكنها الأثرية التي تعود الى عهد الدولة الإسلامية، وكذلك انهارها وطبيعتها البريئة، وفي شيراز وتحديدا وقت الصباح يمكن أن تشم رائحة الفواكه الطازجة القادمة من المزارع. وشيراز مدينة منظمة عمرانيا، وتنتشر في شوارعها اقنية مائية مصممة للمحافظة على نظافة المدينة، حيث يقوم السكان برمي الفضلات البسيطة فيها لتسحبها المياه بعيدا عنهم، وعموما الشعب الإيراني طيب وذو أخلاق عالية ويحترم زائره بشدة.

بالمقابل لا يتمتع الأتراك رغم طيبتهم بالحرارة التي يتوقعها الزائر منهم، وهذا وجدته في زيارتي لإسطنبول بشقيها الآسيوي والأوروبي، وفيهما زرت العديد من الأماكن والمساجد القديمة مثل آيا صوفيا والسلطان أحمد والسوق المسقوف وغيرها، والى جانب اسطنبول زرت جزر الأميرات التي تتمتع بالهدوء والطبيعة الساحرة، وصعدت، باستخدام (التلفريك)، الى جبال بورصة التي وجدت فيها ملاذا للاسترخاء والهدوء بين الأشجار الخضراء.

وقبل انفصالهما زرت جمهوريات التشيك وسلوفاكيا، حينها كانت (تشيكوسلوفاكيا) تحت الحكم الشيوعي، وتتمتع هذه الجمهوريات رغم افتقارها للمتطلبات السياحية بمنابع المياه الحارة التي تستخدم للعلاج وتخفيف الوزن.

ولم تفلت الدول العربية من قبضة الشامسي، فقد واكب اثناء زياراته حدث استقبال السادات بعد توقيعه معاهدة كامب ديفيد، وعاش يوما من الحرب الأهلية في لبنان، حيث اضطر ربان الطائرة الى الإقلاع بهم ليلا ودون اضاءة تجنبا لرصاصات القناصة، وشاهد كيف كانت بيروت تحترق.

إضاءة

ولد محمد راشد الشامسي عام 1958 في منطقة شعم برأس الخيمة، وترعرع فيها حتى سنوات الإعدادية، لينتقل إلى دبي لعام واحد فقط، حيث درس في المعهد الديني الإسلامي، ومنها سافر إلى قطر مع والديه حيث أنهى تعليمه الثانوي فيها، ليعود مرة أخرى للدراسة في جامعة الإمارات التي تخرج منها عام 1981، ليباشر عمله في شركة أبوظبي الوطنية للفنادق حتى الآن.

غسان خروب