في كل بيت على أرض فلسطين المغتصبة .. شهيد دفع حياته ثمنا لحرية وطن اغتصبته عصابات صهيونية. ووراء كل شهيد.. أم لا تتردد في أن تقدم فلذة كبدها فداء للوطن المغتصب. الأم في فلسطين .. مصنع للرجال.. ووقود للمقاومة. أطفال الحجارة الذين بهروا العالم بجسارتهم قبل عشرين عاما..

ما كانت انتفاضتهم يكتب لها النجاح لولا الأمهات اللائي أرضعن صغارهن حب الوطن والتمسك بالأرض والدفاع عنها ولو بحياته حتى تسترد فلسطين حريتها. قصص ونماذج لا حصر لها عن أمهات فلسطينيات .. علمن صغارهن أن الوطن هو الأم، وحق على الابن أن يفدي حياته من أجلها.

هكذا علمت خنساء فلسطين مريم فرحات أولادها الستة.. أرضعتهم ولقنتهم وكل واحد منهم مازال غض العود، أن من يحب الله والوطن فلا يتوانى عن تقديم أبنائه فداء له، والأم التي تحب ولدها تطلب له النجاة في الدنيا والآخرة وتدفعه للجهاد ولا تجزع عند فوزه بها.

مريم.. خنساء العصر.. قدمت ثلاثة من أبنائها الستة شهداء خلال انتفاضة الأقصى. أول الشهداء هو البطل الصغير محمد.. كان شابا في التاسعة عشرة من عمره. استشهد في السابع من مارس عام 2002وهو ينفذ عملية فدائية داخل مستوطنة عتسمونا الاسرائيلية ، وقتل خلالها سبعة من جنود الاحتلال. ما فعله محمد ليس جديدا على أي صبي أو شاب من أبناء فلسطين.

الجديد الذي أثار اعجاب كل الأمهات في فلسطين وبلاد العرب.. أن أمه ظهرت من خلال شريط فيديو وهي تسلم ابنها مدفعا رشاشا وتودعه دون أن تذرف دمعة. بل كانت توصيه بأن يتوكل على الله ويتماسك ولا يشغل ذهنه سوى بما سيقدم عليه من أجل وطنه. وكان لسان حالها يقول «فلذة كبدي هو خير من سيبرني .. هو الذي سيشفع لي بشهادته بعد موتي».

كان محمد رغم أنه ليس أكبر أبنائها الستة، جسورا مقداما.. تعلم من والدته أن أمه الحقيقية هي فلسطين التي أنجبته..فلا يبخل عليها بالعطاء ولو كان مما يستوجب أن يطيعه لها هو حياته. علمته قول خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أن «من يحرص على الموت في جهاده تكتب له الحياة».

تعلم محمد الدرس، فوهب حياته لأمه فلسطين بناء على ما تعلمه من أمه مريم. وعندما استشهد،كانت أمه تطلق الزغاريد بقدر استطاتها وتوزع الحلوى، فرحا بشجاعة ابنها الشهيد. رفضت مثل كل أم في الأرض المحتلة أن تتقبل التعازي في صغيرها. فالاستشهاد على أرض فلسطين يوم عرس للأهل والجيران. وهذا العرس بالنسبة للمحتلين يوم حزن ..

فقلوبهم ترتعد خوفا من صلابة وصمود وصبر الأمهات . ففرحهن بشهادة الابناء يعني أن مسلسل المقاومة لن يتوقف الا بحرية فلسطين. الشهيد الثاني من أبناء خنساء فلسطين، هو نضال «أبوعماد».. ابنها البكر، وكان في الثانية والثلاثين من عمره. من العناصر البارزة في صفوف كتائب عزالدين القسام. استشهد قبل مرور عام على استشهاد أخيه الصغير محمد. سقط بنيران قوات الاحتلال، وهو يشارك في اعداد طائرة شراعية صغيرة لاستخدامها في مواجهة الاسرائيليين.

أما الشهيد الثالث.. فهو رواد ابن السابعة عشرة. أطلقت عليه النيران الاسرائيلية منذ ثلاثة أعوام وهو ينقل صواريخ القسام التي باتت رغم محدودية فاعليتها.. تمثل شبح الموت للاسرائيليين. كان رد اسرائيل على خنساء العصر.. هو هدم منزلها الذي كانت غرفه بمثابة فصول لدروس الوطنية التي تقدمها لأبنائها.

هذه الأم المعطاءة تقول إن ما تبقى من أبنائها وسام ومؤمن وحسام.. هم أيضا فداء للوطن. الثلاثة ..مستعدون للشهادة ولم يسلموا من عدوان اسرائيل المتواصل على غزة. وسام .. ظل أسيرا على مدى 11عاما في سجون اسرائيل. مؤمن.. ؟ أصيب في ظهره من قذيفة اسرائيلية .

وحسام .. قطعت أصابعه بفعل هجمة اسرائيلية وحشية. السطور السابقة لا توفي حق خنساء فلسطين حقها.. وكل الأمنيات لها بالشفاء من الأزمة الصحية التي انتابتها في الأيام الأخيرة . ورغم آلام المرض، فهي تتمنى أن تكون النهاية هي الشهادة وليس على فراش المرض. مريم فرحات.. مفخرة كل العرب والمسلمين على مر العصور.

إضاءة

مريم فرحات نائبة عن محافظة غزة بالمجلس التشريعي الفلسطيني عن كتلة التغيير والاصلاح التابعة لحركة حماس. نشأت في حي الشجاعية في أسرة متوسطة الحال. كان عائلها يعمل شرطيا ولها 10؟ أخوات؟

لم يكن استشهاد أبنائها الثلاثة هو كل تاريخها في النضال. بل يرجع دورها في المقاومة الى عام 1992 عندما آوت في بيتها الشهيد عماد عقل قائد الجناح العسكري لحركة حماس الذي وصفه الإسرائيليون ب«ذي الأرواح السبعة» والذي استشهد في نوفمبر عام 1993. وتقول عن بيتها إنه شهد صنع أول صاروخ قسام.