اختتمت في طهران، مؤخراً، اجتماعات القمة الخامسة عشرة لوزراء خارجية دول حركة عدم الانحياز، والتي خرجت ببيان ختامي تناول مجمل القضايا العالمية، بدءا من الصحراء الغربية وفلسطين والنووي الإيراني وانتهاء بأزمة الغذاء والطاقة والأزمة الاقتصادية في العالم. بعض من هذه القضايا قديم ويطرح على كل قمم الحركة منذ تأسيسها، والبعض الآخر مستجد فرضته تطورات الأحداث في السنوات الأخيرة.

ومع كل قمة من قمم الحركة التي عقدت خلال العقد المنصرم، تطرح أسئلة من قبيل: هل فقدت الحركة مبررات وجودها؟ ما الدور الذي يمكن أن تلعبه في عالم اليوم؟ وهل تستطيع هذه الحركة العجوز أن تحدث حراكاً سياسياً له معنى في ظل القطبية الأميركية الواحدة؟ هذه الأسئلة وغيرها الكثير يثيرها المراقبون إزاء مستقبل حركة عدم الانحياز التي باتت تضم 118 دولة، أي ما يعادل ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تقريباً.

مضى ما يزيد على نصف قرن على انطلاق مؤتمر باندونج الذي عقد في اندونيسيا في أبريل 1955 ووضع أسس انطلاقة حركة الدول المستقلة و غير المنحازة في الصراع الشامل والبارد الذي كان قائماً بين القطبين السوفييتي ومعسكره من جهة، والأميركي وحلفه من جهة أخرى، وكان احد أهم شروط الانخراط فيها الحياد الإيجابي وعدم الدخول في الأحلاف العسكرية الدفاعية والهجومية التابعة للقطبين، حلفي الناتو ووارسو.

لقد لاقت الحركة بعد تكامل تأسيسها على أسس الحياد الايجابي صدى واسعا لدى اغلب الدول الفتية والنامية التي تتطلع لتحررها الاقتصادي كعامل حاسم في عملية تعزيز تحررها السياسي المنجز، وخاصة بعد مؤتمر قمة بلغراد عام 1961 الذي وضع لبنات الانطلاقة الكبرى للحركة بعد أن تبلورت أهدافها ومضامينها وآفاق مستقبلها الجماعي.

وكان للثقل الكاريزمي للقيادات ذات السمعة والنفوذ الشعبيين على المستوى العالمي أثره في انبثاقها كمنظمة فاعلة تضم اكبر عدد من الدول بعد منظمة الأمم المتحدة، فهي زعامات اتصفت بالحكمة والمراس مثل عبد الناصر وسوكارنو ونهرو وتيتو، وهو الأمر الذي ساهم في تماسك هذه الكتلة العالمية وصمودها أمام التحديات.

غير أن ما حدث من تغيرات عالمية في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو فرض تحديات مصيرية على الحركة، حيث باتت تتعامل مع واقع جديد لعالم أحادي القطبية تنفرد بزعامته الولايات المتحدة، وهو ما دفع بعض المراقبين إلى القول إن الحركة لم يعد هناك مبرر لوجودها بل ذهبوا حتى إلى القول إن حضورها وغيابها سيان، فقراراتها لم تعد مؤثرة واجتماعاتها باتت رمزية لالتقاط الصور التذكارية أو لإصدار بيانات مجاملة للدولة المضيفة. والأهداف التي وضعتها لنفسها في إعلان هافانا الصادر في عام 1979

من الحفاظ على الاستقلال الوطني والسيادة وسلامة الأراضي والأمن لدول عدم الانحياز في صراعها ضد الإمبريالية، الاستعمار، الاستعمار الجديد والعنصرية والصهيونية وكافة أشكال العدوان الأجنبي والاحتلال والهيمنة والتدخل والسيطرة وضد القوى العظمى وسياسات الكتل، هذه الأهداف تغيرت بتغير الظروف، فالاستعمار بمفهومه التقليدي اختفى ومفهوم الدولة الوطنية انحسر في العالم الثالث بأسره، كما أن العديد من الدول الأعضاء لديها اتفاقيات وتحالفات مع الولايات المتحدة، والعراق الذي حضر الاجتماع الأخير يعاني من الاحتلال الأميركي هذا فضلاً عن وجود قواعد عسكرية أميركية في بعض الدول الأعضاء في الحركة.

وعلى الرغم من هذا الوضع إلا أن المؤيدين لبقاء هذه المنظمة يقولون إن الوضع العالمي الراهن يقتضي وجود حركة عدم الانحياز وتفعيلها خدمة لمصالح الدول الأعضاء التي تضم نصف سكان الأرض. ويرون أن تعزيز دور الحركة لا يتم إلا إذا بادرت الدول الفاعلة فيها كالهند وفنزويلا وكوبا وإيران وكوريا وسوريا وجنوب إفريقيا والجزائر واندونيسيا وغيرها من بلدان الحركة التواقة للمناخ السلمي وللإفلات من قبضة الهيمنة الأميركية، إلى الاتفاق على منهج يستنهض مبادئ السلم والتضامن ومكافحة الهيمنة والاحتلال والاستفراد في العلاقات الدولية.

ومن اجل نظام دولي متوازن متعدد الأقطاب، أي تغيير جوهر مضمون عدم الانحياز إلى الانحياز الكامل لصالح مبادئ الإنسانية في مواجهة العولمة وجعل التضامن الأممي خير معين بوجه التحديات الجديدة.

ضرار عمير