انتهت مفاوضات منظمة التجارة العالمية في جنيف، مؤخراً، بمشاركة ممثلين عن 35 دولة من الدول الأعضاء في المنظمة من دون التوصل إلى اتفاق يختتم جولة الدوحة التي كانت قد انطلقت من العاصمة القطرية في العام 2001.
وتعود أسباب الفشل في المفاوضات التي اعتبرها البعض «الفرصة الأخيرة» إلى تمسك الدول النامية وعلى رأسها الهند بالحصول على ما اعتبرته ضمانات تؤمن لها الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في مواجهة توغل الرأسمالية الليبرالية الاقتصادية. وإذا كان الشمال الغني بزعامة الولايات المتحدة قد ضنّ على الجنوب بتلك الضمانات، فقد ظل يتمسك بكل حقوق فتح الأسواق على مصراعيها أمام منتجاته وبالشروط التي يراها مناسبة، وبالتالي فإن الولايات المتحدة تتحمل هي الأخرى جانباً كبيراً من المسؤولية عن ذلك الفشل.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا بقوة هو: ماذا بعد هذا الفشل الجديد؟
يرى المراقبون والمحللون الاقتصاديون أن الفشل الأخير في جنيف ستكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي، فما جرى قد يكون نهاية العمل الدولي الجماعي في مواجهة الأزمات الاقتصادية الملحة التي تعتصر شعوب العالم أجمع كالأزمة الغذائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
والقواعد التي تحكم التجارة ستصبح أكثر تعقيداً لأن الاتفاقيات الثنائية بين الدول ستحل محل الإطار الجماعي المقبول عالمياً حتى الآن. بل إن منظمة التجارة العالمية ستفقد نفوذها كجهة تحكيم في النزاعات التجارية التي قد تنشب بين البلدان وستتجه الحكومات أكثر فأكثر نحو اعتماد الحمائية مما يؤثر سلباً على حرية التجارة ورفع القيود عنها.وفوق كل شيء، فإن الفشل في محادثات منظمة التجارة العالمية ـ بصرف النظر عن المسؤول عنه ـ يعكس تغيراً في علاقات القوى العالمية.
فقد أصبحت من الماضي تلك الأيام التي كانت تستطيع فيها الولايات المتحدة وأوروبا أن تضع قواعد اللعبة وتحدد بنود الاتفاقيات التجارية كما يحلو لها وبما يخدم مصالحها. فهناك لاعبان أو حتى ثلاثة لاعبين جدد لم يعد بالإمكان تجاهل مطالبهم وهم الصين والهند والبرازيل، وقد دفعت بقوة في المفاوضات الأخيرة باتجاه حماية مصالحها ومصالح الدول النامية التي ترى أن تحرير التجارة بالصورة التي تريدها الدول الصناعية غير عادل وسيضر بمصالحها.
وطالما بقيت هذه الاختلالات في التوازن بين ما يتوجب على الدول النامية فعله من إزالة الرسوم الجمركية المفروضة على السلع والخدمات الواردة من الدول الصناعية وما يتعين على الأخيرة فعله من رفع الدعم عن المزارعين بشكل يتيح للمنتجات الزراعية في الدول النامية أن تنافس مثيلاتها في الدول الصناعية، فإن الأمل بتحرير التجارة وإيجاد أسواق حرة للتبادل التجاري بلا معوقات وعلى نحو يخدم كافة الدول سيكون ضئيلاً.
إن واقع الحال يقول إن التوصل لاتفاق في منظمة التجارة العالمية على جولة الدوحة التي كان من المفترض أن تختتم في عام 2004 بات من المستبعد حدوثه لسنوات عديدة قادمة. فقد ذهب وزير الخارجية البرازيلي إلى حد القول إن العودة إلى المفاوضات من جديد قد تحتاج إلى ما بين ثلاثة إلى أربعة أعوام.
ولكن يبقى هناك بارقة أمل بأن يتمكن اللاعبون الكبار الأعضاء في منظمة التجارة العالمية وهم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان واستراليا والهند والصين والبرازيل من إعادة ترتيب الأوراق مرة أخرى، وتقويم المواقف بحسب التطورات الأخيرة، بحيث تبدأ جولة جديدة بعيداً عن توتر الأجواء الذي ساد المفاوضات على امتداد أيامها التسعة.
ويعتقد المراقبون أن حدوث ذلك يرتبط بأحداث سياسية مختلفة، تتمثل بالانتخابات الرئاسية الأميركية التي باتت على الأبواب، وكذلك التغيير في تركيبة مفوضيات الاتحاد الأوروبي الذي سيبدأ عام 2009، وكذلك الانتخابات في الهند التي تتنافس فيها أحزاب مختلفة ببرامج مختلفة. وبغض النظر عن الأولويات السياسية لتلك الدول في مرحلة الانتخابات، إلا أنه يمكن أن تتغير المواقف بحسب القادمين الجدد إلى السلطة هناك، الأمر الذي قد يجعل المفاوضات تبدأ من الصفر وهو أمر مضنٍ للجميع.
غير أن فشل المفاوضات سينعكس بلا شك على الثقة في التجارة الدولية، كما سيعزز التوجه نحو الاتفاقات الثنائية سواء بين الدول أو الاتحادات الإقليمية على أسس جغرافية. لكن ستزيد هذه التوجهات على المدى القريب احتمالات نشوء تكتلات اقتصادية ضخمة بدلاً من إطار عمل تجاري عالمي كما كان يأمل المتفائلون.
وقد يؤدي ذلك إلى تقسيم منظمة التجارة العالمية إلى محاور متصارعة، إذ سيحاول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان واستراليا التكتل في مواجهة النمور الآسيوية وكتلة أميركا اللاتينية، التي ستواصل استمالة أفريقيا جنوب الصحراء إلى صفوفها.
كما ستحاول روسيا، من جانبها، استعادة دورها على الساحة الاقتصادية الدولية متمسكة بسلاح الطاقة، وربما تشكل مع الهند والصين مثلثاً يمثل تهديداً حقيقياً لسياسات الهيمنة الاقتصادية الأوروبية والأميركية.يرى البعض أن الفشل الذي حصل في جنيف ليس سلبياً بالمطلق بل هو أمر إيجابي وعلى رأس هؤلاء منتقدو العولمة من حركات ومنظمات تعتقد أن اتفاقيات التجارة الحرة ستزيد من معاناة الفقراء في العالم ولن تخدم سوى الشركات الكبرى التي تحظى بدعم حكوماتها. ومن هنا، فقد تنفست بعض الدول والقطاعات الاقتصادية الصعداء عندما أعلن عن انتهاء المفاوضات من دون التوصل إلى اتفاق.
الفشل
ويعتقد المراقبون أن أبرز الأطراف التي شعرت بالارتياح من الفشل هي ثلاثة أولها الحكومات والأنظمة السياسية التي لن تواجه عواقب توقيع الاتفاق الذي يفتح المنافسة بقطاع الزراعة بالدول الغنية وقطاع الصناعة بالدول النامية.
ألاأما الطرف الثاني فهم المزارعون بالدول الغنية الذين يلقون دعما من دولهم. فالاتفاق الذيألاجرى التفاوض بشأنه ينص على خفض الدعم الداخلي المدفوع لهم بنسبة تتراوح بين 50% إلى 85%. وكان ينص كذلك على إلغاء دعم الصادرات.
ألاوالطرف الثالث والأخير هو الدول التي تعتمد الحمائية في القطاع الزراعي وهي الدول المتطورة التي تفرض رسوما جمركية عالية جدا على استيراد المنتجات الزراعية لحماية الإنتاج الداخلي، مثل اليابان وسويسرا.
ضرار عمير