الاتفاقيات التي وقعتها روسيا الاتحادية مع إيران مؤخرا تشكل خطوة متقدمة على طريق إنشاء كونسيرتيوم غازي. وكانت شركة غاز بروم الروسية قد أنجزت الخطوة الأولى في هذا المجال عندما عقدت اتفاقا مع إيران لاستغلال حقول الغاز فيها. والهدف من إنشاء هذا الكونسيرتيوم تفعيل التعاون في الأسواق والتعامل مع النزاعات.

ومن المعلوم أن أعضاء منتدى الدول المصدرة للغاز يبحثون منذ فترة إنشاء منظمة دولية على غرار منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك. ويتوقع خلال اجتماع الدول الكبرى المصدرة للغاز في موسكو في أكتوبر القادم يمكن التوصل فيه إلى اتفاق يقضي بتأسيس المنظمة الغازيَة. ولا يستبعد أن يتم في المستقبل القريب أن يكون هناك قرار رسمي لإنشاء منظمة للدول المنتجة للغاز، خاصة و أن هناك مشاورات مكثفة تجري في الوقت الحالي بين الدول الرئيسية حول هيكلية هذه المنظمة في هذا المجال مثل روسيا و الجزائر و قطر وإيران،ومن المحتمل أن يتم انضمام ليبيا. وسوف يشمل التعاون في مجال الإنتاج سوف يتبعه تعاون في مجال التسويق.

لكن المنظمة المنتظرة لن تشبه (أوبك) في التأثير على أسواق العالم. والسبب هو مقاومة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ، فالدول الغربية لا تكف عن محاولاتها لإبعاد روسيا عن فكرة إنشاء مؤسسة دولية لكبرى الدول المنتجة والمصدرة للغاز الطبيعي على نمط منظمة الأوبك، رغم أن مخاوف الغرب من احتمال ظهور كونسيرتيوم غازي مبالغ فيها. وقد أرسلت اللجنة الاقتصادية لحلف الناتو لسفراء ست وعشرين دولة عضو في الحلف تقريرا سريا تؤكد فيه أن روسيا تسعى إلى استخدام الأذرع الاقتصادية لتحقيق الأهداف السياسية. وأصبحت الدول الغربية تخاف من احتمال إنشاء اتحاد من نوع منظمة الأوبك في مجال الغاز . ورغم محاولات الغرب تحجيم روسيا ، فإن دورها خلال السنوات القادمة سوف يتزايد بشكل هائل باعتبار أنها مصدرا مهما وحيويا لموارد الطاقة.

وتأكيدا لدورها رفضت موسكو فكرة اتفاق دولي ما حول الغاز. وينحصر جوهر الموقف الروسي في أن المنتج والمستهلك مرتبطان بينهما بشكل وثيق. وتعتبر التخويف كأسلوب للضغط أمر غير مفيد في هذا المجال. و تقوم السوق الغازية العالمية ،وخاصة الأوروبية في المرحلة الحالية على مبدأ استقواء المستهلك. مستغلة ضعف المنتج، ومن هنا يظهر تعارض إنشاء منظمة للدول المنتجة للغاز مع مصالح الدول الأوروبية.

ويذكر أن فكرة المنظمة الغازية من نوع منظمة الأوبك قائمة منذ التسعينات من القرن الماضي. ويعتمد مبدأها على سلسلة من الوقائع الواضحة. فمثلا تصدر روسيا والجزائر نحو سبعين المئة من احتياجات الغاز الأوروبي.ومن المتوقع أن تزيد حصة الغاز في ميزان الطاقة الأوروبي بعد خمس عشرة سنة. ومن ثم سيزداد ارتباط أوروبا بالغاز في حالة عدم وقوع الاختراق التكنولوجي في الطاقة البديلة.

وتسعى روسيا إلى أن المشاركة في المنظمة الدولية المقبلة وترى أن هذا التعاون واعد. و ترمي موسكو في إطار تطبيق هذا المشروع إلى ضمان تصدير كميات مطلوبة من موارد الطاقة الغازية بأسعار عادلة، وهي مصممة على استخدام كل الوسائل الممكنة التحقيق هذا الهدف.

وترى أن تأسيس كونسيرتيوم للدول الغازية الكبرى يتفق مع مصالح الجميع. فأولا يفسح إنشاء المنظمة المذكورة المجال واسعاً لتنسيق جهود الدول المصدرة للغاز كما يضمن تصديره للمستهلكين بصورة مستقرّة وبأسعار معقولة. والمهم ألا يحاول أحد استغلال سوق الغاز العالمية كآلية للمساومة السياسية لتوسيع نفوذه الجيوسياسي.

وقد أكدت موسكو عدم جواز التعامل مع قضية العلاقات الدولية وبخاصة العلاقات في مجال التجارة الدولية من اعتبارات سياسية مغرضة. ويجب على الغرب أن يحتذي حذوها ويكف عن محاولاته لفرض شروط لا توافق مصالح الدول المصدرة لموارد الطاقة.

ومع أن الاتحاد الأوروبي يحاول تنويع قنوات الحصول على النفط والغاز بغية التقليل من ارتباطه بموارد الطاقة الروسية، ويفكر في مد خطوط أنابيب التفافا على روسيا، إلا أن حصة النفط والغاز الروسي تنمو في الدول الأوروبية. ويمكن القول إن أمن القارة العجوز في مجال الطاقة صار رهنا بمشاريع مد الأنابيب في قاع بحر البلطيق الخاصة بتوريد الغاز الروسي والبحر، وليس بخطط وهمية معادية لروسيا في هذا المضمار.

وهناك اقتراحات مختلفة حول موضوع الكونسيرتيوم منها ما يدعو إلى إنشاء منظمة ومنها ما يفضل عقد اتفاقية دولية لهذا الغرض. إلا أن المنظمة بدأت بشكل فعلي تمارس نشاطها، على الرغم من أنها لم تتشكل بعد رسميا، حيث تمكنت روسيا الاتحادية من إقناع ثلاث دول من جمهوريات آسيا الوسطى المنتجة للغاز هي كازاخستان تركمانستان وأوزبكستان بضرورة اعتماد أسعار الغاز العالمية في التعاملات.

ويذكر أن رئيس شركة غاز بروم أليكسي ميللير شدد على أهمية إنشاء منظمة تستطيع التأثير على إنتاج الغاز لجهة الارتفاع أو الانخفاض. و أراد أن يقنع منتقدي هذه الفكرة، بضرورة العدول عن مقاومتها. و أن البديل هو ترك أسعار الغاز تواصل ارتفاعها. وكانت شركة غاز بروم رفعت توقعاتها لتطور أسعار الغاز في السوق الأوروبي من 300 دولار لألف متر مكعب قبل نهاية علم 2008 إلى 500 دولار.

و تعد إيران ثاني أكبر منتج للغاز في العالم ورابع منتج للنفط، ولكن تنقصها الأموال والخبرة العلمية الأجنبية، ما يضطرها إلى استيراد الغاز ومشتقات النفط لتغطية احتياجات السوق الداخلية، وهذا بالذات يدفعها إلى إنشاء مصافي للتكرير، إضافة إلى وجود بعض العوامل السياسية الخارجية التي تعيقها عن جذب الاستثمارات الأجنبية إليها والاستفادة من الخبرات العالمية.

ورغم امتلاك إيران مخزونات كبيرة من النفط والغاز إلا أنها تواجه حاليا صعوبات في الدخول إلى السوق العالمية، بل وتضطر إلى استيراد قسم من الغاز من تركمانستان لتلبية احتياجاتها المحلية.ما اعتبره اقتصاديون تناقضا كبيرا .فالحصار السياسي المفروض على إيران من جهة والنقص الحاد في التكنولوجيا والخبرة الفنية والاستثمارات المالية الأجنبية من جهة ثانية، تمنع البلاد من رفع إنتاجها من الغاز، لذلك بدأت الحكومة الإيرانية بدراسة خطوات تساعدها على تطوير قطاع النفط والغاز وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، ولا سيما أن حقولا جديدة للنفط والغاز تم اكتشافها مؤخرا .

وهكذا تسير الأوضاع لصالح روسيا، في حين تتردد الشركات الغربية في الدخول إلى سوق الغاز الإيراني. وفي حال توصل الشركة إلى اتفاق نهائي مع إيران في وقت قريب، فسوف تكون ايران من أقوى اللاعبين في هذا النطاق خلال الأربعين عاما المقبلة على الأقل.

إضاءة

إيران تملك ثاني أكبر احتياطيات للغاز في العالم وخلال عشرين عاما سوف تحتل المركز الأول في تطوير سوق الغاز، ولكن العزلة السياسية تعيق تنفيذ مشاريع الاستخراج والنقل ، كما أن إيران نفسها ليست قادرة على استخراج الغاز من أراضيها دون مساعدة خارجية ، فهي في حالة ماسة للتقنيات والأموال.

ورغم الحاجة الكبيرة للغاز الإيراني إلا أن المستثمرين الغربيين لا يسارعون بضخ الأموال في تطوير البنية التحتية لاستخراج النفط والغاز، خوفا من احتمال تطورات عسكرية محتملة وخوفا من العقوبات الاقتصادية، ما سمح لغاز بروم بالدخول إلى السوق الإيرانية.ويؤكد خبراء اقتصاديون أن إيران ستكون من أهم الدول المنتجة للغاز في المستقبل في حال تمكنها من جذب الاستثمارات والتقنيات اللازمة.

د. معمر الفار