تعتبر مشكلة السكن العشوائي واحدة من أكبر المشاكل التي تواجه الحكومات السورية المتعاقبة منذ أواسط السبعينات، فالأحياء العشوائية تمددت في كافة جهات المدينة وبعضها أصبح اكبر من مدينة دمشق نفسها، وهذا ما انعكس سلباً على نهر برى الذي جف وبات ذكرى من الماضي البعيد الذي يتذكره كبار السن مع أغنيات فيروز.

ولعل المشكلة الأساس في هذه الظاهرة أن معظم المقيمين في الأحياء العشوائية يعملون في مدينة دمشق ويشكل تواجدهم أثناء النهار أزمة سير مستعصية اضطرت الحكومة السورية لإصدار قانون قاس جعل بعض المترددين يحجمون عن شراء سيارات.

في هذه العشوائيات التي لا تزال تتمدد من سرطان يصعب علاجه يسكن الفقراء والوافدون من المدن الأخرى و الكثير من العراقيين الذين أضافوا فلكلورهم إلى الكثير من المناطق ، حتى باتت أشبه بأحياء عراقية من حيث المأكل والأغاني وحتى اللهجة. وفي هذه الأحياء يقطن أيضاً معظم فناني وفنانات الملاهي الليلية وحتى زبائن هذه الملاهي، التي أخذت طابعاً عراقياً منذ عام 2003.

وهذه العشوائيات أشبه بمدن متكاملة فيها كل ما يحتاجه القاطن فيها ولكن بشكل مكتظ وخال من الرقابة الصحية ، ولكنها ملاذ لابد منه للكثيرين نظراً لارتفاع أسعار العقارات في المناطق المنظمة. هذا الارتفاع الذي بلغ أرقاماً قياسية.

وقد ظهرت في الآونة مشاريع نظرية للحد من هذه المشكلة وهي تنظيم العشوائيات وتسليمها لشركات خاصة تبني فيها أبراجا تساهم في حل مشكلة السكن وتجميل شكل مداخل المدينة التي باتت تشكل صدمة للزوار عبر معابر درعا أو عبر مطار دمشق الدولي. إذ تنتشر العشوائيات بطريقة فوضوية توهم الزائر للمرة الأولى أن دمشق كلها هكذا، غير أنه يعدل عن رأيه ما إن يتوغل في قلب المدينة ليكتشف بعد ذلك مكامن الجمال فيها.

ولكن المشكلة المطروحة على هذا الصعيد هي تأمين السكن البديل عند هدم هذه الأحياء، وهو سبب دعا الحكومة لأن تؤجل خطواتها الطموحة أكثر من مرة.ولكن المعروف أن التوجهات الحالية لمشروع إعادة تنظيم مدينة دمشق لاحظت هذه المشكلة ومن المقرر أن لا يبدأ العمل قبل إيجاد السكن البديل والذي سيكون مجمعات عمرانية خارج دمشق على الأغلب.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق من سيشتري البيوت التي سيتم بناؤها في العشوائيات السابقة، إذا كانت أسعارها تفوق طاقة المواطن السوري العادي، ولكن المتفائلين يرون أن هذه المشاريع سوف تحل أزمة السكن وسوف تخفض أسعار العقارات بشكل كبير سوف يدخل التقسيط المريح على الخط وبالنتيجة فكل ذلك لمصلحة المواطن.

مشكلة العشوائيات خارج السيطرة الحكومية، فرغم أن المراقبين يجوبون الشوارع ليل نهار إلا أنهم لا يستطيعون حصر الأبنية المخالفة الجديدة ولذلك بدأت محافظة دمشق بمشروع من المقرر له أن يسهم بشكل كبير في الحد من انتشار المخالفات، وذلك بمراقبة المدينة عن طريق الأقمار الصناعية.

ويتضمن المشروع قاعدة بيانات تحليلية من عام 1970 وحتى العام 2010 تحتوي على قاعدة بيانات إحصائية عن أماكن توزع السكن العشوائي وتأثير المخالفات على الجوانب الحياتية الأخرى كالتوسع على حساب المساحات الخضراء والتأثيرات السلبية على البنى التحتية. وتوفر هذه التكنولوجيا القدرة على المراقبة ودراسة مدينة دمشق ومحيطها الحيوي بحيث يتم تحليل الصور لمعرفة أماكن وجود المخالفات داخل منطقة المراقبة التي تشمل دمشق ومحيطها الحيوي.

ويبين بشار القدة مدير المعلوماتية في محافظة دمشق أن الأسباب التي دفعت للاعتماد على هذه التكنولوجيا هي عدم وجود بيانات دقيقة وأرضية للتحقق من تاريخ بناء المخالفات تنفيذاً للقانون رقم1لعام2003 الذي أكد على ضرورة إيجاد حل للسكن العشوائي لما له من آثار سلبية.

وأشار القدة إلى أن هذا المشروع يقدم مجموعة كبيرة من البيانات الإحصائية ومؤشرات بيانية هامة لمتخذي القرار بحيث تسهم في إعادة تأهيل مناطق السكن العشوائي وإعداد الخطط المستقبلية.بين خطط الحكومة السورية وحاجة المواطنين للسكن، حتى وإن كان خالياً من الشروط الصحية تكبر المشكلة، ولكن الحلول المطروحة لم تصل إلى جوهر المشكلة وهي مشكلة البطالة المسؤولة عن السكن العشوائي وغيره من المشاكل التي يعانيها المجتمع السوري.

تيسير أحمد