يخطئ من يظن أن الوضع الذي نشأ في الضفة الغربية وقطاع غزة إثر سيطرة حماس على مقاليد الأمور في القطاع المنكوب، هو وضع طارئ يمكن تجاوزه بسهولة عن طريق حوار هنا ومساع حميدة هناك، ذلك أن هذا الواقع يعبر في المقام الأول عن رؤيتين ليستا متباينتين فحسب، بل متباينتين إلى حد التناقض وتسيران في خطين متوازيين لا يلتقيان أبدا.
هذا الاستنتاج يستند إلى معطيات توفرها مجموعة من العوامل الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية والمالية التي تخص طرفي الصراع الفلسطيني الداخلي الرئيسيين، فتح وحماس، فضلا عن ارتباطات كل منها ببرامج وأجندات اقليمية ودولية لا يستهان بها ساعة الحديث عن القرارات الحاسمة التي تحدد مسار كل من التنظيمين الفلسطينيين العتيدين. لكن من الخطأ ايضا وضع هاتين التجربتين السياسيتين في سلة واحدة عند التصدي لمحاولة تحليل الأسباب الكامنة وراء تدهور الوضع الفلسطيني الداخلي في الضفة والقطاع ووصوله إلى حافة الهاوية، ففي هذه الحالة نكون قد وقعنا في مغبة مخاطر التعميم والتستر والتشويه وعدم وضع الاصبع على الجرح، الأمر الذي سيبقي الباب مشرعا على مصراعيه على مزيد من التردي والتدهور باتجاه احتمالات نشوب حرب أهلية فلسطينية ليس ضمن الأطر الاستخبارية والانتقامية القائمة منذ سنوات فحسب.
وإنما ضمن إطار جديد يصعب في ظله الحفاظ على مفردات العمل الفلسطيني المعتادة حتى الآن ويفتح المجال أمام ظهور وضعية تراجعية نوعية أخرى جديدة في أبعاد القضية الفلسطينية ويقصي امكانية حصول الشعب الفلسطيني ولو على جزء من حقوقه التاريخية.
ولدت حركة حماس من رحم حركة الإخوان المسلمين في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي، بينما انطلقت حركة فتح وسط مد قومي عربي عارم في منتصف ستينات القرن عينه، الأولى اعتمدت خطاب ما يسمى الاسلام السياسي الساعي إلى إقامة دولة الخلافة أولا على أن تأتي الأهداف الوطنية في المقام الثاني، وذلك على غرار سائر الأحزاب والحركات السياسية الإسلامية الأخرى.
أما فتح فلقد قامت على برنامج وطني فلسطيني قائم بحد ذاته في إطار المشروع القومي العربي بقيادة جمال عبد الناصر ، لكن مع التأكيد على وجوب عدم التدخل في شؤون أي من الدول العربية مقابل ألا تتدخل أي من هذه الدول في الشأن الفلسطيني الداخلي وهذا كان واضحا من خلال بند خاص تضمنه النظام الداخلي للحركة.
وكان من الطبيعي أن تنحني منطلقات كلتا الحركتين أمام ظروف ومستجدات سياسية شتى يمكن توصيفها بمجموعة من الهزائم المتعاقبة التي منيت بها القضايا العربية عموما وفي القلب منها القضية الفلسطينية طبعا، اولها هزيمة يونيو 1967 وتمكن جيش الاحتلال الإسرائيلي من وضع اليد على بقية الأراضي الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية فضلا عن احتلال أجزاء من بلدان عربية أخرى هي الأردن وسوريا ولبنان ومصر.
ومن ثم ضرب ظاهرة المقاومة الفلسطينية في الأردن وخروج قواتها من هناك عام 1971 بعد حرب طاحنة تخللها ارتكاب العديد من المجازر ضد الفلسطينيين على يد الجيش الأردني، وتلى ذلك اشغال الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية في حرب أهلية جانبية بائسة تخللها اجتياحان إسرائيليان للأراضي اللبنانية عامي 1978 و1982 توجا باجبار فصائل منظمة التحرير الفلسطينية على الخروج من بيروت والتوجه إلى منافٍ جديدة بعيدة كل البعد هذه المرة عن بلدان الطوق.
لكن الهزيمة الأكبر جاءت على يد النظام السياسي في الشقيقة الكبرى مصر حين قام الرئيس الراحل انور السادات عام 1979 باحداث اختراق استراتيجي في الصف القومي العربي وزار القدس ووقع صلح منفرداً مع الدولة العبرية فكانت اتفاقية كامب ديفيد سيئة السمعة التي منحت تل أبيب فرصة حقيقية للخروج من عزلة طال أمدها كانت تفرضها سائر البلدان العربية عليها.
الأمر الذي انعكس سلبا على بعض الإرادات السياسية في صفوف فصائل المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها حركة فتح نفسها التي قام قائدها العام الراحل ياسر عرفات في عام 1983 باختراق مضاد وزار القاهرة متجاوزا قرار جامعة الدول العربية القاضي بمقاطعة النظام حتى يتراجع عن اتفاقية كامب ديفيد .
كل ذلك تزامن مع حركة هبوط متواصلة ومتسارعة ومتزايدة في سقف الأهداف الفلسطينية ، فظهر البرنامج المرحلي بعد التخلي عن لاءات الخرطوم الثلاث( لاللتفاوض) لا للصلح، لا للاعتراف) وتم التخلي عن حق الفلسطينيين في فلسطين التاريخية والاكتفاء بدولة فلسطينية على جزء من أراضي الضفة والقطاع دون ضمان القدس عاصمة لها وعن حق عودة ستة ملايين لاجيء فلسطيني يعيش جلهم في مخيمات الشتات، أي أنه تم التخلي عن القضية الفلسطينية برمتها.
كما جاءت اتفاقيات أوسلو التي وقعت عام 1993 بين القيادة المتنفذة في م.ت.ف. والدولة العبرية لترسم الملامح النهائية لمسلسل التراجعات ذاك ولترسخ وجود الكيان العنصري في فلسطين، كل فلسطين ما عدا بعض الأراضي التي ربما تتنازل عنها برضاها وبالفعل تنازلت بصورة شكلية عن بعضها في المناطق التي يطلق عليها منطقة أ في الضفة والقطاع، أي في المدن الرئيسية، لكن ليس لجمال عيون الفلسطينيين وإنما من أجل إقامة ما يطلق عليه السلطة الفلسطينية التي ترأسها أبوعمار حتى وافته المنية وخلفه محمود عباس، الذي لا يزال يتربع على عرش هذه السلطة المفرغة من أي محتوى سياسي وطني عدا ما تقدمه من خدمات أمنية للمجتمع الإسرائيلي وكيانه العنصري.
وإثر الزلزال المدمر الذي ضرب الجغرافيا السياسية الدولية وأدى إلى سقوط الاتحاد السوفييتي وتفكك المنظومة الاشتراكية،التي كانت تشكل أحد الداعمين الأساسيين للقضية الفلسطينية،كان من الطبيعي أيضا أن يبحث الشعب الفلسطيني عن بدائل وطنية بعد كل هذه المسيرة من التنازلات والتراجعات القاتلة واستشراء الفساد في أوساط الدوائر الرسمية التابعة لسلطة الحكم الذاتي في رام الله، فوجد ضالته في الحركات والأحزاب الاسلامية وفي القلب منها حركتا حماس والجهاد.
وصعدت أسهم الأولى بصورة خارقة فاجأت الجميع بما في ذلك قياداتها وكوادرها ومقاتلوها أنفسهم لا سيما إثر فوزها الساحق في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت في يناير 2006 ووصولها إلى سدة الحكومة الفلسطينية العتيدة.
هنا جن جنون فتح ولم يصدق أحد فيها بأن نصر حماس في الانتخابات كان حقيقيا، فراحت المؤامرات تحاك لكسر هذا الانجاز اللاسلامي الحتمي حتى لو تطلب ذلك استخدام قوة السلاح، وهذا ما أكدته مجلة «فاينتي فير» الأميركية التي كشفت النقاب عن فضيحة تمويل الإدارة الأميركية للاقتتال الفلسطيني، وهكذا كان، فجاء رد فعل حركة حماس باللغة عينها فاستولت على كافة دوائر ومؤسسات السلطة الفلسطينية في قطاع غزة معطية بذلك إشارة القطيعة النهائية بينها وبين ما يسمى مؤسسة الرئاسة الفلسطينية.
غزة بؤرة الصراع
قطاع غزة الذي لطالما اعتبره قادة الجيش الاسرائيلي مصدرا للصداع، والذي وصف أحد جنرالاته الوضع فيه في نهاية الستينات وبداية السبعينات بأن المقاومة الفلسطينية تحكمه في الليل وقوات الجيش الإسرائيلي تحكمه في النهار،أصبح مستهدفا هذه المرة من جانب مزيد من الجهات الفلسطينية والعربية، فأحكم عليه حصار خانق تسبب ولايزال بكوارث ومآسٍ حقيقية طالت كافة مناحي حياة سكان القطاع، الذين حولتهم إسرائيل والسلطة إلى متسولين لأبسط سبل العيش من خبز ووقود ودواء.
في حين عملت القوى المعادية للشعب الفلسطيني على إجهاض جميع المبادرات العربية والفلسطينية لفك حالة الاشتباك بين حماس وفتح مبقية الخيار مفتوحا دائما على الحسم العسكري،ومن سخرية القدر أن يتزامن اعلان الدولة العبرية قطاع غزة «كيانا معاديا» مع اعلان سلطة رام الله أن ما يجري في القطاع هو «انقلاب عسكري على الشرعية بقيادة قوة خارجة عن القانون» تصنفها تل أبيب وواشنطن «منظمة ارهابية»، أي أن السلطة وإسرائيل وحلفاءهما في القاهرة وواشنطن وبعض العواصم الأوروبية قد أعلنوا حربا لا هوادة فيها على حكومة حماس المنتخبة ديمقراطيا عن طريق احكام الحصار عليها وعلى سكان الاراضي التي تسيطر عليها.
ولقد توجت هذه الهجمة بعقد مؤتمر أنابوليس العام الماضي في الولايات المتحدة والذي تحدث بالإعلان عن هدف إقامة دولة فلسطينية قبل نهاية 2008 وخطط في السر لدعم الأجهزة الأمنية التابعة لسلطة الحكم الذاتي وتجهيزها لمواجهة كل من تسول له نفسه رفع صوته في وجه الاحتلال،الأمر الذي كرس حالة الانقسام الداخلية في الساحة الفلسطينية ربما إلى الأبد.
حاليا لم تعد الأزمة الفلسطينية الداخلية حبيسة جدران الكلام وكيل الاتهامات والحرب الاعلامية المخزية، لقد خرجت إلى الشارع عدة مرات وباتت الأدوات القتالية المستخدمة هي نفسها التي كانت تستخدم ضد الاحتلال وأصبح الدم الفلسطيني يسيل على نطاق واسع بفعل فاعل فلسطيني وليس إسرائيليا أوعربيا فحسب.
تفجيرات غزة الأخيرة التي استهدفت القيادي في حماس خليل الحية لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة من نوعها في هذا المشهد العنيف،صحيح أن الأصوات تعالت والدعوات تزايدت،مؤخرا، في القاهرة وغيرها من العواصم العربية لفتح حوار وطني فلسطيني،لكن الصحيح أيضا هو أن خيارات أطراف هذا الحوار متباعدة إلى حد التناقض.
وتلك الخيارات لم تعد حبيسة الأدراج بل بات يعبر عنها بوضوح ليل نهار حتى أصبحنا نسمع لغة جديدة تضم مفردات عجيبة غريبة من نوع دعوة ياسر عبد ربه عضو اللجنة التنفيذية لاصدار مذكرة جلب بحق سعيد صيام وزير الداخلية الفلسطيني في الحكومة المقالة ودعوة عزام الأحمد العضو المراقب في اللجنة المركزية لحركة فتح لإعلان قطاع غزة إقليما متمردا.
وتهديد محمود عباس بحل السلطة في حال قيام الدولة العبرية باطلاق سراح نواب حماس من السجون الإسرائيلية، فضلا عن رفضه إطلاق سراح المناضل مروان البرغوثي ضمن صفقة شاليط،وهي لغة مقلقة ولا تبشر بقرب أي انفراج لهذه الأزمة،لكنها تمعن في رسم معالم شبح الاقتتال الداخلي الذي بات يخيم على الساحة بعد تفجيرات غزة.
هذه الدعوات وغيرها ما هي إلا نقطة في بحر حالة التردي والانحراف التي آلت إليها القوى الفلسطينية النافذة التي سجلت خروجا مدويا عن الصف الوطني بعد أن أصبحت خياراتها لا تخرج بأي حال من الأحوال عن إطار مصالح حفنة من أصحاب الياقات البيضاء أرباب العمل حضرة المؤتمرات وحفلات العلاقات العامة أصحاب الابتسامات السامة محبي التقاط الصور التذكارية والموائد العامرة والتصريحات الدبلوماسية.
للخروج من هذا المأزق التاريخي، حسب رأي البرغوثي، الذي لا يختلف حوله اثنان أيديهما لا تزال نظيفة،فإن ما يحتاجه الفلسطينيون هو «ثورة شاملة، أي انتفاضة على الذات، تكنس الترهل والعفونة وتستعيد زمام المبادرة على المستويين الشعبي والمقاوم من مفاوضات ما بعد أنابوليس التي فشلت ولا مجال للانتظار.
الاحتلال الإسرائيلي لن يقدم أي تنازل إلا مرغما. من هنا فإن فتح وم.ت.ف. لا تستطيعان البقاء في مقاعد الحفاظ على سلطة لا سلطة لها، وهذا يبدأ بالعودة إلى وثيقة السرى والدفع باتجاه وحدة وطنية وبناء قيادة جديدة واستعادة لغة المقاومة على أن يعاد بناء كل شيء من جديد، وهذا ممكن، شرط أن لا يبقى الماء في أفواهنا .
إضاءة
المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة يغص بمختلف أصناف الصراعات الطبقية والقبلية والفصائلية والجهوية والأيديولوجية والعقائدية وكلها ترمي بظلال قاتمة على الداخل الفلسطيني وتتوج بعصبية فلسطينية فتاكة سرعان ما تحتل موقع الصدارة في أي حدث أو مواجهة.
باسل ابو حمدة