خلال زيارته إلى إسرائيل نهاية الأسبوع الماضي، حرص الصهاينة على أن تكون مستوطنة سديروت ضمن جولة المرشح الأميركي باراك أوباما، وهناك أطلعوه على بعض من بقايا الصواريخ التي تطلقها الفصائل الفلسطينية، وهو ذات الأمر الذي يفعلونه الآن مع أي زائر مهم إليهم، حيث صارت زيارة سديروت طقسا شبيها بزيارة متحف المحرقة للإيحاء بأن سكان المستوطنة لا يزالون يعيشون محرقتهم.

وهكذا لم تجد إسرائيل حرجا في أن تحتفظ ببقايا صورايخ فلسطينية، وتحرص على تخليدها في سديروت، لاقناع زوارها بأنها تتعرض للعدوان، ولذلك ليس غريبا أن يصدق البعض إسرائيل فيما تقول، وهي كاذبة، لأنها تقدم أدلة مادية، وتحرص على توثيق كل شيء، ولو كان تافها.

هذه التفاصيل التي تبدو صغيرة هي ما نتجاهله نحن منذ ستين عاما، فعلى الرغم من أن إسرائيل ارتكبت خلال هذه السنوات عشرات المجازر بحق الشعب الفلسطيني، بدأتها بمذبحة بلدة الشيخ، ثم دير ياسين، وكفر قاسم، وحيفا، واللد، وبيت لحم، وصولا إلى مذبحة صابرا وشاتيلا، حتى فاقت التسعين مذبحة، الا أننا لم نتمكن من تخليد أي منها، حتى المذابح الحالية التي ترتكب في قطاع غزة فشلنا في توثيقها.

بعض الأشياء التي نراها صغيرة، وفقا لثقافتنا، هي عظيمة الشأن في الصراع مع العدو الصهيوني، وهذا ما يفعله العدو معنا، فمنذ أكثر من عشرين عاما وإسرائيل تبحث عن الطيار رون أراد، الذي أسقطت طائرته في أكتوبر 1986 فوق جنوب لبنان، بينما أسقط بعض العرب عمدا عشرات المفقودين في الحروب مع إسرائيل.

كما تناسى بعضهم عن قصد المئات من الجنود والضباط الذين قتلوا بعد أسرهم. وكلما حاول أحد فتح الملف يتم إغلاقه على الفور، تجنبا لوجع الرأس، وخوفا من اغضاب إسرائيل. في حين لو فعل هؤلاء فعلها لما تجرأت على ارتكاب مذابحها ضدنا.

لقد فهم حزب الله هذه العقلية الإسرائيلية، وأحسن استغلالها في تحقيق انتصاراته عليها. إذ اهتم بكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة، وهو يدير صراعه معها، ففهم تكوينها ونمط تفكيرها، وعرف فيها نقاط الضعف والقوة، ووظف كل ذلك لما يريد، ولولا هذا الفهم العميق والشامل ما استطاع هزيمة إسرائيل مرارا في ميدان القتال، وفي معارك التفاوض حول الأسرى.

ان إسرائيل تخشى حزب الله لهذا السبب، وقادتها يشهدون له بذلك ويرهبونه، على خلاف تعاملهم مع كثير من الحكومات العربية التي تقول لشعوبعها شيئا، وتقول لإسرائيل شيئا آخر على طريقة شبيك لبيك، أرضي وشعبي ملك يديك. ولهذا كان الانجاز الأخير لحزب الله في صفقة تبادل الأسرى، درسا لبعض الحكومات العربية، كي تبادر إلى فتح تحقيقات في ذبح أسراها، كجرائم ترتكب بحق الإنسانية، تمهيدا للمطالبة بمحاكمة المسؤولين عن تلك الجرائم دوليا، أسوة بما يجري ضد الرئيس السوداني، خاصة وأن بعض هؤلاء لا يزال في الحكم.

ان لم نستطع ان نقنع أنفسنا بأننا أصحاب حق، فإننا لن نستطيع مطلقا أن نقنع الآخرين بحقوقنا. ولهذا ليس لنا أن نستغرب ما قاله باراك أوباما، عندما وصف إسرائيل خلال زيارته بانها (معجزة تكشفت خلال 60 عاما) بينما كان يعتمر القلنسوة اليهودية، ويضع إكليلا من الزهور في متحف المحرقة، فإسرائيل نجحت في إقناعه بذلك، وهو صاحب مصلحة فيه.

إن خطورة ما قاله أوباما حول المعجزة وعن القدس وأمن إسرائيل، أنه يمثل التزاما منه نحوها، إذا ما وصل إلى البيت الأبيض. وسيترحم ذلك في صورة دعم سياسي ومساعدات مالية وعسكرية تشمل أحدث ما في الترسانة الأميركية، لتواصل قتلنا من دون ان نقيم عزاء لقتلانا، فيما هي تقيم متحفا لكل رصاصة تطلق ضدها. وتنجح في إقناع العالم ونفشل نحن، وبينما تذبحنا تلعب هي دور الضحية، فيما نموت قتلا ونتهم بالإرهاب.