في ظل حزمة من المشكلات القانونية والدبلوماسية المحيطة بقضية توجيه اتهام للرئيس السوداني عمر البشير بارتكاب جرائم حرب وإبادة في إقليم دارفور، يبدو من المنطقي تنحية العنصر القانوني في هذه القضية غير المسبوقة جانبا.
حيث يبدو توصيف القضية والإجراءات المحيطة بها بعيدا كل البعد عن القوانين والمعاهدات المعمول بها في كنف المجتمع الدولي، والتركيز على الجانب السياسي فيها الذي يشكل الدافع الرئيسي الذي يقف وراء تصعيد المحكمة الدولية،الذي سيبقى لفترة غير قصيرة من الزمن متأرجحا ما بين مد وجزر تبعا لعنصرين أساسيين،الأول يتعلق بمواقف أطراف المجتمع الدولي عموما ومواقف أعضاء مجلس الأمن على وجه الخصوص، الثاني يتجسد في تأرجح موقف النظام السوداني والقوى السياسية السودانية.
ثمة اعتقاد أقرب إلى الصواب يقول إن المسألة برمتها تتعلق بلعبة العلاقة الجدلية القائمة في المشهد السياسي السوداني منذ سنين بين ثلاثة أطراف رئيسية هي النظام السوداني نفسه وأحزاب المعارضة السودانية وأخيرا ما يمكن تسميته المجتمع الدولي.
ويبدو أن كل طرف من هذه الأطراف بات يجيد دوره في اللعبة السياسية على أكمل وجه،بحيث تقوم المعارضة بالضغط على المجتمع الدولي الذي يقوم بدوره بالضغط على النظام في الخرطوم ،الذي عادة ما يطلق مواقف ممانعة ومتحفظة قبل أن يتراجع ويقدم التنازلات المطلوبة،التي تكون قد أصبحت تشكل جزءا لا يتجزأ من خارطة الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في مجتمع متعدد الأعراق والديانات والمصالح.
القوى السياسية حتى داخل السودان تدرك هذه المعادلة على نحو لا تنقصه البراعة،وذلك عندما تطرح مبادرات محددة وواضحة تشمل مضامين حقيقية لتفادي الضغوط الخارجية عن طريق طرح حلول حقيقية لمشكلات حقيقية.صحيح أن النظام السوداني عادة ما يدير الظهر لتلك المبادرات في البداية ،لكنه سرعان ما يغير موقفه مع وصول موجات الضغوط الخارجية وتصاعدها ويبدأ بتنفيذ الخطوات التي كانت القوى السياسية تريد اتباعها في إطار حراك اجتماعي داخلي طبيعي.
ففي اليوم التالي لقرار المحكمة الجنائية الدولية ، بادر الرئيس السوداني إلى دعوة مختلف القوى السياسية السودانية إلى اجتماع وتحدث عن نيته إطلاق مبادرة لحل مسألة دارفور بغية صد التدخلات الخارجية، علما بأن هذا الطرح لا ينطوي على أي جديد، فلقد كان مطروحا في السابق، فما الذي تغير حتى يرى النور بهذه القوة بعد قرار المحكمة الدولية غير تصاعد موجة الضغوط الخارجية ذاتها.
يتعين على كافة القوى السياسية في السودان اعتبار هذه المبادرة فرصة وطنية حقيقية و لملمة الصفوف وتوحيد الجهود ليس لحماية رأس النظام فحسب،وإنما لمواجهة سائر التحديات التي يواجهها المجتمع السوداني بمختلف أطيافه وفي مقدمتها التحدي الذي تمثله قضية دارفور من الناحية الإنسانية ، لكن يتعين على هذه القوى عدم إضاعة هذه الفرصة وتسويفها بإضاعة الوقت حينا وبالتشرذم حينا آخر.
ذلك أن مرحلة ما بعد الذروة قادمة لا محالة وتراجع المسار الحالي للأحداث قادم بكل تأكيد في ظل مواقف المجتمع الدولي المتضاربة. السودان يقف أمام مفترق طرق إن أساء أبناؤه الاختيار فيه، فذلك سيعني تفاقم التحديات المطروحة أمام قواه السياسية الموالية والمعارضة على حد سواء، أما إذا أحسن الاختيار، فإنه سيخلق فرصة لإخراج البلاد من هذا النفق المظلم الطويل ووضعها على سكة تطبيع الحياة الاجتماعية السياسية والاقتصادية.
وهذا يضمنه عقد مؤتمر قومي جامع لا يستثني أحدا ويعترف بحقوق جميع الأقاليم بالتساوي ويزيل الظلم الواقع على بعضها ويناقش كافة القضايا المطروحة ويوجد الحلول التوافقية المناسبة بالتراضي للمشكلات المتصلة بمختلف الأقاليم السودانية وبالتحول الديمقراطي بما في ذلك قانون الانتخابات الذي تعترض عليه قوى معارضة لأنه وضع في إطار آلية الغالبية التي يملكها الحزب الحاكم في البرلمان والتي تضمن له البقاء في السلطة، فضلا عن ضرورة معالجة مشكلات ما يسمى بالمناطق المهمشة أيضا.
الأزمة السودانية تكمن، في المقام الأول ،في إبقاء النافذة مفتوحة على التدخلات الخارجية،وفي ضرورة إغلاقها مرة وإلى الأبد عن طريق وضع الإصبع على الجرح السوداني الحقيقي النازف منذ سنين، لكن ثمة تخوف من عدم استغلال الفرصة، بعد أن بات من المرجح تراجع الضغوط الدولية الحالية وعودة عجلة الحراك السياسي في السودان إلى روتينها المعتاد ، في انتظار موجة ضغوطات خارجية جديدة لا أحد يعلم متى وكيف ستضرب في المرة المقبلة.