أول حرب عالمية شهدها القرن العشرين، انطلقت شرارتها في الأول من أغسطس من عام 1914. في باديء الأمر.. حادث اغتيال ولي عهد النمسا فرانز فرديناند على يد طالب صربي في مدينة سراييفو في 28 يونيو من نفس العام، فتح الباب لصراع دموي استمر أربع سنوات، سقط خلاله أكثر من 20 مليون عسكري ومدني.
وكان البعض يظن أن ينحصر النزاع بين الصرب والنمسا التي كانت تشكل مع المجر امبراطورية عظمى في ذلك الوقت. خاصة وأن الصرب قبلوا معظم الشروط القاسية والمذلة التي وضعتها الامبراطورية النمساوية- المجرية. ولكن اعلان الحرب على الصرب كشف عن أن دائرة الصراع ستتسع. خاصة وان تلك الفترة كانت تشهد منافسة استعمارية بين عدة امبراطوريات وقوى عظمى. فقد كانت أجواء اوروبا مهيأة لتلك الحرب. اذ تصاعد الصراع للفوز بمزيد من المستعمرات، وانقسم العالم الأوروبي وقتها الى تحالفين متنازعين:
- الأول.. تحالف النمسا- المجر، وألمانيا وايطاليا (ضم فيما بعد تركيا التي كان نجم امبراطوريتها في أفول) - والثاني تحالف ثلاثي بين فرنسا وانجلترا وروسيا (بلغ ذروته في منتصف الحرب باتفاقية سايكس بيكو التي وزعت بموجبه التركة العثمانية فيما بينها دون علم العرب الذين دخلوا الحرب متحالفين مع بريطانيا ضد تركيا)، وانضمت لتلك القوى كل من بلجيكا وصربيا. في الأول من أغسطس1914، أعلنت ألمانيا الحرب ضد روسيا التي كانت في الوقت نفسه تحشد قواتها لمواجهة الامبراطورية النمساوية - المجرية. وبعد يومين فقط أعلنت ألمانيا ايضا الحرب على فرنسا واجتاحت أراضي لوكسمبورغ وبلجيكا للوصول الى فرنسا.
وفي اليوم التالي ( 4 أغسطس) أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا. وفي البداية كانت إيطاليا على الحياد، الى أن اتضحت لها صورة الموقف فاختارت جانب ألمانيا والنمسا. أما تركيا التي تناصب روسيا العداء على مر التاريخ، فدخلت الحرب في نهاية أغسطس عندما قام أسطولها بقصف الموانيء الروسية على البحر الأسود، وصارت بالتالي حليفا مهما للألمان.
هذه الحرب .. لم يكن للولايات المتحدة ناقة ولاجمل فيها. وهي وان كانت قد تعاظمت قوتها في تلك الفترة، الا أنها لم تكن قد فكرت في عبور الاطلسي عسكريا. اذ ظلت في عزلة فيما وراء البحار. ولكنها لم تكن عزلة سلبية. بمعنى أنها لم تكن طرفا في الصراعات والنزاعات الأوروبية.
في باديء الأمر، اختار رئيسها في ذلك الوقت وودرو ويلسون جانب الحياد وكانت ادارته في تلك الفترة تجنح نحو الاهتمام بالداخل. ولكن لم تظل واشنطن على حالها تجاه الحرب. فطلب ولسون من الكونغرس اعلان الحرب على ألمانيا بعد أن أصبحت المصالح الاميركية في أوروبا مهددة.
كانت الحرب في بداياتها تمضي وكأنها لصالح ألمانيا والنمسا وحلفائهما. ولكن بوجه عام لم تكن الصورة الواضحة، الى درجة أن المعارك قبل عامها الأخير بدت دون نتائج حاسمة. ثم اتجه مسارها لصالح الحلفاء.
وفي بداية عام 1918، عرف العالم مبادرة ويلسون التاريخية المنسوبة الى الرئيس الاميركي، وكانت عبارة عن برنامج سلام من 14 بندا. وتقول الكاتبة الأميركية باربرا سيبليرديك فينبيرغ في كتابها عن ويلسون، أن هذا البرنامج من أهم إنجازاته عام 1918.
ويمكن القول إنها تتعلق بقواعد السياسة الدولية، فهي تقوم على ضرورة وضع حد للدبلوماسية السرية بين الدول، وضمان حرية الملاحة والتجارة في العالم، والحد من تزايد التسلح في العالم. وتدعو وهذا هو الأهم الى حق الشعوب في تقرير مصيرها، واستقلال الشعوب غير التركية وتحررها من التبعية للإمبراطورية العثمانية.
وكانت مباديء ويلسون نبراسا للمناضلين ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي. وتقول المؤلفة إن ويلسون اتخذ في باديء الأمر موقف الحياد وحافظ عليه بصعوبة طيلة السنوات الثلاث الأولى. والسبب هو أن 15% من سكان الولايات المتحدة، كانوا آنذاك قد ولدوا في بلدان انخرطت في الحرب. وبالتالي فكان يصعب عليه أن يتخذ موقفا لصالح هذا الطرف أو ذاك، حتى لا يثير غضب بعض مواطنيه.
ولكنه في العام الأخير للحرب، تدخلت الولايات المتحدة بكثافة ووضعت كل قوتها في الميزان لحسم المعركة ضد الألمان. وتشير فينبيرغ الى أن عدد القوات الأميركية المنخرطة في المعارك على الأرض الأوروبية وصل الى أكثر من مليوني عسكري في يونيو 1918. وبالتالي أصبح النصر مضمونا لصالح الحلفاء. وبالفعل انتصر الحلفاء، وتوج النصر بمعاهدة فرساي الشهيرة التي كانت اذلالا لألمانيا.
بل ويمكن القول إنه بسببها بزغ نجم الزعيم النازي أدولف هتلر الذي أشعل الحرب الثانية بسبب بنود تلك المعاهدة التي نالت من مكانة ألمانيا في أوروبا والعالم. ومن أهم نتائج الحرب الأولى، سقوط أربع امبراطوريات كبرى هي الألمانية والنمساوية ـ المجرية، والروسية، والعثمانية.
بل ان الحرب كانت عاملا مؤثرا في انتصار الثورة البلشفية في روسيا بزعامة لينين. والأهم من ذلك بالنسبة للمنطقة العربية، أن الشرق الأوسط صار في قبضة بريطانيا وفرنسا طبقا لاتفاقية سايكس بيكو التي أبرمت سرا في منتصف الحرب وطبقت بعدها، وصارت المنطقة العربية رهينة للاستعمار البريطاني - الفرنسي.
إضاءة
شهدت الحرب الأولى تعبئة 65 مليون جندي في مختلف الجيوش المشاركة في المعارك. بلغ عدد القتلى حوالي 20 مليونا ، منهم 9 ملايين جندي من الجانبين. خسرت كل من ألمانيا وروسيا نحو مليون وثلاثة أرباع المليون قتيل ، وكانت نسبة القتلى في فرنسا هي الأعلى بالمقارنة بعدد جنودها الكلي. اذ خسرت نحو مليون وثلث المليون جندي. وخربت الحرب المزارع والقرى بسبب مرور الجيوش فيها وحفر الخنادق للقتال، كما خربت المصانع والجسور والسكك الحديدية.
كبدت الحرب الدول المتقاتلة أكثر من 300 مليار دولار. وفي السنة الأخيرة من الحرب ، كانت الكلفة 10 ملايين دولار كل ساعة. ورفعت الدول الضرائب من أجل تمويل الحرب. واستدانت الحكومات من المواطنين ببيع سندات حربية. كما دعمت الولايات المتحدة الحلفاء بقروض ضخمة.
حسن صابر