بعد ثلاثة عشر عاما من هروبه، تم مؤخرا القبض على رادوفان كاراديتش الملقب ب(سفاح البلقان)، والذي يعد أهم قادة صرب البوسنة المتهمين بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، خلال حرب البوسنة والهرسك للمسلمين في الفترة 1992- 1995.
ومن الصعب الفصل بين اعتقال كاراديتش وبين تحركات المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس السوداني عمر البشير، فالتوقيت يشي بذلك، والهدف خلخلة التعاطف العربي والإسلامي حول السودان، تمهيدا للانفراد به من جانب الولايات المتحدة والقوى الغربية المتربصة بالخرطوم. وعقب القبض عليه صدر بيان عن مكتب الرئيس الصربي بأن الأجهزة الأمنية تمكنت من تحديد موقع كاراديتش وتم القبض عليه. وأنه قد مثل أمام قاضي التحقيق في جرائم الحرب في العاصمة بلغراد. ومن المتوقع أن يصل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا سيرغ براميريتس قريبا إلى بلغراد لمناقشة مسألة تسليم كارادزيتش إلى المحكمة.
و كانت محكمة لاهاي الجنائية الدولية قد وجهت الاتهام في الخامس والعشرين من يوليو 1995 إلى كاراديتش بارتكاب جرائم حرب بما فيها مذبحة سربيرينتشا، تلك المنطقة التي كانت خاضعة لحماية قوة من الهولنديين التابعة للأمم المتحدة، حيث لجأ إليها آلاف المسلمين الفارين من الهجمات الصربية منذ 1992. لكن القوة الدولية رفضت حمايتهم وتركتهم للقوات الصربية التي ارتكبت فيهم مجزرتها.
وقد نفذ المذبحة قائد القوات الصربية راتكو ميلاديتش، بأمر من كاراديتش. وكانت قوات صرب البوسنة قد اجتاحت سربيرنيتشا، وفصلت الرجال والأطفال عن عائلاتهم، ثم قتلت منهم ما يزيد على ثمانية آلاف شخص. وثبت بالفعل من لجنة رسمية تشكلت بأمر دولي، أن قرابة 30 ألفا من صرب البوسنة شاركوا في جرائم تطهير عرقي ضد سكان المدينة. وقد وصفت منظمات حقوق الإنسان ما جرى في سربرينتشا، بأنه أسوأ مذبحة تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
وكان العالم آنذاك قد تابع ما حدث واكتفى وقتها بالفرجة. رغم أن المأساة كانت مروعة، وكذلك كانت حرب الإبادة التي شنتها القوات الصربية ضد مسلمي البوسنة على مدى ثلاث سنوات. قد حصدت تلك الحرب أرواح 300 ألف مسلم بوسني. ورغم مرور ثلاثة عشر عاما على المذبحة، إلا أنه يتم اكتشاف المزيد من المقابر الجماعية. فمنذ فترة قريبة، عثر على رفات عشرات الضحايا الذين دفنوا في مقابر جماعية.
و مثل إلقاء القبض على كاراديتش خبرا مفرحا للمجتمع الدولي حسب الناطق باسم حلف الناتو، ووصف الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة بان كي مون الحدث بالتاريخي لكل ضحايا حرب البوسنة والهرسك. وفور القبض عليه عبر البوسنيون عن فرحتهم، حيث خرجوا ا إلى الشوارع. أما الرئيس البوسني حارث سيلاديتش فقال إن الاعتقال هو نوع من العزاء لعائلات ضحايا سربربرينتشا، وقد تفاوتت ردود الأفعال حيث عبر وزير الخارجية البريطاني عن سروره، وقال إن ذلك سيمهد لمستقبل أفضل لصربيا، وسيضع حدا للنزاع.
وقالت وزارة الخارجية الروسية أن روسيا تعتبر القبض على رادوفان كاراديتش شأن داخلي. وقال مسؤولون في الاتحاد الأوروبي إن هذا الاعتقال تطور مهم لجهود صربيا من أجل الانضمام إلى الاتحاد. ورأت هولندا في اعتقال كاراديتش خطوة عظيمة. وكانت هولندا قد اتهمت عند ارتكاب المذبحة بالتواطؤ مع القوات الصربية.
ويذكر أن إلقاء القبض على كاراديتش يأتي في إطار جهود صربيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، الذي اشترط عليها احترام حقوق الإنسان وحدد من هذه الشروط تسليم كاراديتش إلى المحكمة الدولية. ومن هنا كانت استجابة صربيا محل ترحيب غربي. لكن لا يزال هناك المتهم الهارب راتكو ميلاديتش الذي قاد تنفيذ المذبحة عسكريا.
ورادوفان كاراديتش مواليد التاسع عشر من يونيو 1944 في الجبل الأسود. وفي عام 1960 انتقل إلى سراييفو، حيث التحق بالمدرسة الطبية الثانوية. وفي عام 1970 تخرج من كلية الطب. وعمل حتى عام 1977 بالطب في سراييفو.
وفي عام 1984 وجهت إليه تهمة اختلاس أموال الدولة ودخل السجن في الأول من نوفمبر عام 1984. وبدأ العمل السياسي بشكل رسمي عام 1989 عندما أسس الحزب الديمقراطي الصربي برئاسته. وبعد إعلان قيام جمهورية صرب البوسنة أمر بتشكيل ميليشيا مسلحة. وكانت تضم بالأساس عسكريين من الجيش اليوغسلافي الشعبي السابق.
وخلال الفترة من 1992 - 1995 ترأس قيادة الصرب في البوسنة. وخاض مع مع راتكو ميلاديتش قائد الجيش العمليات العسكرية ضد المسلمين المحليين والكروات. وارتكب خلال هذه الفترة العديد من المجازر الجماعية بحق المسلمين البوسنيين. وفي الخامس والعشرين من يوليو1995، وجهت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا اتهامات إلى كاراديتش وميلاديتش، بموجب ستة عشرة مادة قانونية، من بينها تهم الإبادة.
وتحت ضغوط المجتمع الدولي هرب كاراديتش وميلاديتش واختفيا عن الأنظار، حتى تم القبض مؤخرا على كاراديتش، تمهيدا لمحاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية.
إضاءة
لوحظ غياب أي رد فعل عربي بشأن القبض على رادوفان كاراديتش، فتوقيت القبض عليه تداخل مع قضية الرئيس السوداني عمر البشير مع المحكمة الجنائية الدولية. ويعني ترحيب العرب بالقبض على الزعيم الصربي منح قرار مدعي المحكمة الدولية مشروعية ومصداقية في ملاحقة الرئيس السوداني، ومن ثم كان الصمت العربي أوجب.
وهذا يشي بأن معظم الحكومات العربية ستعمل خلال الفترة المقبلة على تقويض شرعية المحكمة الجنائية الدولية، من خلال عدم التوقيع على اتفاقية المحكمة، ومن خلال التشكيك القانوني والسياسي في مدى حيادها وعدالتها وخوفا من احتمال تكرار ما جرى مع الرئيس البشير مع غيره من المسؤولين العرب.
د. معمر الفار