المراقبون السياسيون منكبون هذه الأيام، التي يبدو أنها توحي بمرحلة جديدة من العلاقات بين الضفة الشرقية والضفة الشمالية من المتوسط، على محاولة تبيان الأسباب الحقيقية التي تقف وراء الانعطافة الحادة في العلاقات الفرنسية- السورية بعد أن شهدت تدهورا خطيرا طوال سنوات إثر مقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.
بعضهم يرد ذلك إلى انفراجة أخرى أوسع نطاقا تتعلق بعلاقات الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين من جهة وروسيا وبلدان الاتحاد الأوروبي من الجهة الأخرى، وآخرون يقولون إن هذه الحالة التوافقية ما كان لها أن ترى النور لولا وجود أطراف إقليمية فاعلة تتماهى مع التوجهات الإقليمية والدولية وتدفع باتجاه حسم سائر الملفات وعلى جميع المسارات.
الأمر الذي تجلى في توقيع اتفاق الدوحة في شأن حل الأزمة الحكومية-الرئاسية اللبنانية، والانفتاح الفرنسي على سوريا والمفاوضات السورية- الإسرائيلية غير المباشرة وعملية تبادل الأسرى والجثامين بين حزب الله وإسرائيل وأخيرا التهدئة بين حركة حماس وإسرائيل التي تمت بوساطة المخابرات المصرية، مع التأكيد على أن أحدا لا يملك ناصية الحقيقة عندما يتعلق الأمر بالحديث عن ترتيب سلم الأولويات بين جميع هذه القضايا الإقليمية الحساسة والشائكة في آن.
ويرى محللون أن مرد الانفراجة في العلاقات الفرنسية السورية يعود على الأرجح إلى مغادرة الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك قصر الاليزيه، ذلك أن هذه الشخصية السياسية الديغولية كانت تأخذ ملف اغتيال الحريري على محمل شخصي وتدعو إلى الوصول به حتى نهاياته المرتبكة، وتبني رؤية فرنسية جديدة تدعو إلى ضرورة إعطاء أفضلية للعلاقات مع دمشق على الأداء السوري في الملف اللبناني والتخلي عن سياسة فرض الاملاءات والشروط على دمشق، فضلا عن أن جميع المعطيات تشير إلى أن الموقف الفرنسي الجديد هذا ينطوي كذلك على اعتراف فرنسي بالدور الحيوي لسوريا في منطقة الشرق الأوسط.
يضاف إلى ذلك التقارب الأميركي-الإيراني الخجول الذي شاهدناه على شاشات التلفزيون مجسدا بحضور مندوب أميركي لمفاوضات جنيف بين مجموعة 5+1 وإيران حول الملف النووي الإيراني، فضلا عن دخول تركيا، راعية المفاوضات السورية- الإسرائيلية وبتغطية من جانب الولايات المتحدة الأميركية على خط المفاوضات الأميركية- الإيرانية أيضا. فلقد زار وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي قبل جلسة التفاوض التي جمعت بين مندوبي طهران ومجموعة 5+1 أنقرة التي نقلت إلى بلاده رسالة مصدرها ستيف هادلي مستشار الأمن القومي الأميركي.
هذا المشهد ينطوي على انفراجة في العلاقات في مسارين متلازمين، المسار الأميركي- الإيراني من جهة، والمسار السوري- الفرنسي من الجهة الأخرى، مع الأخذ في الاعتبار الفارق في حجم هذه الانفراجة على كل مسار بشكل منفرد. فبينما لا يزال التردد والضبابية يشوبان موقف واشنطن تجاه طهران، فإن باريس يبدو أنها حسمت أمرها بالفعل وشدت رحالها باتجاه دمشق من دون مخاتلة، لكن ليس بعيدا عن أعين البيت الأبيض الأميركي،الذي لا يزال يمسك بخيوط الملفات الرئيسية موضع النزاع في المنطقة.
لكن هذا لا يعني أن عجلة العلاقات الإستراتيجية الفرنسية السورية لم تبدأ بالدوران بسرعة كبيرة وبكل المقاييس وعلى جميع الأصعدة، ودليل ذلك لا يقتصر على الاستقبال المشهود للرئيس السوري بشار الأسد في قصر الاليزيه وفي مؤتمر الاتحاد من أجل المتوسط في باريس واستقبال دمشق لوفود فرنسية رفيعة المستوى فحسب.
بل يمتد إلى ما هو ابعد من المجاملات والتقاط الصور التذكارية ليطال توطيد العلاقات الثنائية لا سيما الاقتصادية منها بين باريس ودمشق، حيث جاءت زيارة عبد الله الدردري نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية الأخيرة إلى باريس لتصب في هذا الاتجاه على وجه التحديد، فلقد تم التوقيع في باريس بين البلدين المتوسطيين على مجموعة معتبرة ومتنوعة من العقود والاتفاقات الاقتصادية والمالية والإدارية للاحتفاء بها أثناء زيارة الرئيس الفرنسي المرتقبة إلى دمشق.
هذه الرؤية المتفائلة يعززها كذلك نوع من التغيير المتعجرف في نظرة واشنطن إلى مجموعة الصراعات التي تخوضها حول العالم والتي تشكل امتدادا ميكانيكيا لتقليد أميركي متوارث بين مختلف الإدارات المتعاقبة في الولايات المتحدة،ذلك التغيير الذي جاء بعد أن راح المحافظون الجدد يشعرون بشيء من مرارة الهزيمة وتراجع مشروعهم في كل من أفغانستان والعراق وفلسطين.
الأمر الذي شكل أحد أهم عوامل الرحيل المنتظر لإدارة جمهورية يمينية متشددة ميالة إلى الحروب مضى عليها حوالي 8 سنوات في البيت الأبيض والمجيء المرتقب لإدارة ديمقراطية ليبرالية تقول إنها ستراجع،في حال وصولها إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة، جميع ملفات الحروب الجائرة التي أشعلها المحافظون الجدد بقيادة جورج دبليو بوش في كل من العراق وأفغانستان وفلسطين.
توجه يبدو أنه يسير بخطى ثابتة وأنه سيتحول إلى واقع إذا أخذنا في الاعتبار كذلك التغير الواضح في السياسة الخارجية للحكومة البريطانية التي كانت سائدة أيام رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير الذي كان يضع البيض كله في سلة إدارة بوش،وظهور توجهات جديدة للحكومة العمالية في لندن برئاسة غوردون براون تنزع إلى تخفيف حدة التدخل العسكري في المناطق الساخنة في العالم وسحب القوات البريطانية من العراق أو تخفيف تعدادها على أقل تقدير.
المحاولة السورية
يضاف إلى كل ذلك رغبة سوريا الجامحة في الخروج من الحالة التي نشأت جراء محاولة عزلها على كافة الصعد العربية والإقليمية والدولية على حد سواء، وهنا لا بد من التأكيد على حقيقة أن هذا الضغط الهائل الذي تعرضت له دمشق منذ صدور القرار 1701 عن الأمم المتحدة والذي دفع القوات السورية العاملة في لبنان إلى التحرك باتجاه الشرق لا يكفي لتبرير كل هذا التغير في الموقف الدولي عموما والموقف الفرنسي- الأميركي حيالها على وجه الخصوص.
ذلك أن مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية الأخرى وفي مقدمتها تصاعد مقاومة المشروع الأميركي الصهيوني قد تضافرت لتشكل الوجه الجديد للحراك السياسي في المنطقة.لا يسع المراقب إلا أن يصغي عندما ينفي وزير الخارجية السوري وليد المعلم وجود حوافز دولية أو أوروبية قادت إلى انفراج العلاقة مع لبنان مؤكدا أن البلدين «لا يبنيان علاقتهما على شروط مسبقة» وأن هذه المسألة ثنائية ولا تقبل تدخل طرف ثالث فيها.
يعتقد الفرنسيون بأنه بوسعهم من خلال خطوة الانفتاح على الدور السوري في المنطقة تحقيق هدفين أساسيين للسياسة الخارجية الفرنسية لا يبدلهما مجيء حكومة وذهاب أخرى ولا دخل للجغرافيا أو التاريخ فيهما،أولهما يتعلق بالملف الإسرائيلي والثاني بالملف الداخلي اللبناني، ذلك أن جل ما تريده فرنسا والغرب هو إدخال الدولة العبرية في النسيج الطبيعي للمجتمعات المحيطة بها.
الأمر الذي يمكن تحقيقه، حسب الاعتقاد الساركوزي،عن طريق أمرين اثنين ، أولا، استكمال عملية توقيع اتفاقات تسوية بين إسرائيل من جهة وكل بلد من بلدان الطوق العربية من جهة أخرى،الأمر الذي لا يرفضه أي طرف عربي من حيث المبدأ،وثانيا عن طريق حصول تل أبيب على عضوية ناد إقليمي- دولي يضم سائر بلدان المنطقة ولا سيما العربية منها،الأمر الذي تحقق بالفعل عن طريق إنشاء منظومة الاتحاد من أجل المتوسط.
لكن بين التوجهات الفرنسية الوردية والواقع المعاش في قلب الصراع العربي- الإسرائيلي ثمة بون شاسع لا يمكن القفز عن حقائقه القائمة على الأرض والمتجسدة باحتلال الكيان الصهيوني لفلسطين كل فلسطين وأجزاء من بلدان عربية أخرى ومن بينها سوريا وبستة ملايين لاجئ فلسطيني يهيمون ضياعا في شتات قوامه عشرات المخيمات والمنافي البائسة التي فرضت عليهم بقوة السلاح والدم وبحالة عداء بين الأطراف المعنية بالنزاع لم يشهد لها التاريخ مثيلا.
يضاف إلى ذلك الاحتلال الأميركي لبلد عربي آخر هو العراق وحالة البؤس الناجمة عن هذا الاحتلال وقوامها هيمنة مطلقة على مقدرات البلاد والعباد وبضعة مئات آلاف من الضحايا البريئة وملايين المهجرين داخل العراق وخارجه ومثلهم من المحتاجين، وقبل هذا وذاك جرعة إضافية من الحقد على الأميركي والإسرائيلي لن تمحوها من ذاكرة الناس الفردية والجمعية كل نوايا الأرض الحسنة،هذا في حال وجودها أصلا.
لاشيء بلا ثمن
على الرغم من ظهور عدد من التبدلات الطفيفة في مشهد خارطة العلاقات الدولية وانعكاسات ذلك على بعض الأوضاع الإقليمية في هذا الجزء أو ذاك من العالم،حيث تشهد بعض التجارب في عدد من بلدان العالم ولا سيما أميركا اللاتينية توجهات ليبرالية قادمة من خارج دائرة الليبرالية الغربية التقليدية.
إلا أنه ومنذ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها ومنذ أن وضعت الولايات المتحدة يدها على مصير القارة العجوز والعالم أجمع مشكلة إمبراطوريتها الخاصة بها لم يطرأ أي جديد يذكر على وضعية موازين القوى ومراكز القوة والنفوذ على الصعيد العالمي،لا بل إن هذه الهيمنة شبه المطلقة تعززت واشتد عودها بطريقة وحشية بعد أن بقيت الكرة الأرضية تتأرجح على قرن واحد إثر سقوط القرن السوفييتي في نهاية النصف الثاني من القرن الماضي.
في العمل السياسي لا شيء مجانياً ولا شيء يعطى بلا ثمن والعرب ليس لديهم أي شيء يعطونه بعد أن أصبحت معادلة صراعهم مع إسرائيل تقوم على مبدأ السلام مقابل السلام،الذي لا يملكونه لأنفسهم في ظل اختلال ميزان القوى في غير صالحهم في المنطقة والعالم،فكيف يعطونه لغيرهم،وكيف لهم أن يحدوا من هذه الهجمة الصهيونية- الإمبريالية الشرسة التي تزداد ضراوة مع كل تنازل يقدمه لها كل طرف عربي على حدا وبصورة منفردة.
وهنا مكمن آخر تنازل يمكن للأطراف العربية أن تقدمه وهو غياب العمل العربي المشترك وتغييب فكرة تلازم مسارات التفاوض مع إسرائيل. يقول دكتور كلوفيس مقصود «نحن العرب في هذه المرحلة أتحنا أن نعرض هويتنا لنوع من الاستباحة من خلال وضعنا، إما شرق أوسطيين أو متوسطيين أو خليجيين، في حين أن التعامل على هذه الأسس يجب أن لا يتناقض مع كوننا وطنا واحدا، وأن فلسطين لا تسترجع إلا من خلال وحدة الإستراتيجية العربية واعادة النظر في الارتباك العربي الذي يعطي انطباعا بأن هناك تعددية المصائر وكأن العرب ليسوا مشاركين في مصير واحد».
إضاءة
لم يبق للعرب من سلاح ممكن سوى سلاح التنسيق ووحدة الموقف، بحيث يجب ألا يوقف أو يجمد المجهود العربي حكومات ومجتمعات مدنية لتحقيق وحدة قابلة لتصديق ما نقوله حتى لا تتكرر المقولة الأميركية: البعض منا يقول في العلن ما لا يقوله في الخفاء.
باسل أبو حمدة