بنيتو موسوليني.. ديكتاتور من رواد عصر الاستبداد والطغيان والتخاريف السياسية التي سادت النصف الأول من القرن العشرين. بلغ المجد والشهرة بأفكار طائشة ومتطرفة تحت مسمى »الفاشية« التي جلبت البلاء والمصائب لايطاليا . تماما مثلما فعلت «النازية» وصاحبها أدولف هتلر بألمانيا. والاثنان أصحاب الأفكار المتقاربة. كانت نهايتهما بأفكارهما واحدة ولكن بشكل مختلف ينم عن شخصيتهما. فهتلر اختار أن يموت شامخا فقرر الانتحار حتى لاينكل به ولايذل على أيدي الحلفاء بعد هزيمة ألمانيا.

أما موسيليني الذي ملأ الدنيا ضجيجا وصخبا بحركاته وافكاره وأدائه السياسي المسرحي وأطلق على نفسه لقب الزعيم العظيم أو الدوتشي. فقد سقط مذلولا. قبل اعدامه ارتضى ان يكون مثل فأر هارب من مصيدة الاعتقال. وكانت نهايته بشعة ومن جنس عمله. اذ تخلص منه الايطاليون وعلقوا جثته من كعب قدميه في ساحة عامة ليراها الشعب. نهاية الدوتشي موسوليني. بدأت فصولها ليلة الخامس والعشرين من عام 1943 . ففي مثل هذا اليوم من 65 عاما، قرر المجلس الفاشي الكبير تجريد الدوتشي من سلطاته بناء على اقتراح أبرز أعضاء المجلس وهو دينو غراندي. وكان من بين الذين أيدوا وصوتوا لاسقاطه، زوج ابنته ووزير خارجيته جاليزو شيانو. جاء قرار التخلص من حكم موسوليني بعد أسبوعين من غزو الحلفاء لصقلية في عملية عسكرية كبرى سميت «عملية هيوسكي». وانتهت بالحاق الهزيمة بالألمان بعد قتال ضار استمر قرابة أربعين يوما، وانتهت باستسلام إيطاليا في 3 سبتمبر 1943.

فور قرار عزله، أصدر ملك ايطاليا فيتوريو عمانويل أمرا باعتقال موسوليني. وتم وضعه تحت الإقامة الإجبارية في منتجع جبلي منعزل. واختير لرئاسة الحكومة المارشال الدموي بيترو بادوليو المقرب من القصر والذي كان معارضا لموسوليني وكان يحمل لقب دوق أديس أبابا. ولا يمكن أن نغفل عن أن هذا المارشال كان مجرم حرب وسفاحا من أبشع القادة العسكريين الإيطاليين الذين حكموا ليبيا. حكمها على مدى أربع سنوات بالحديد والنار من عام 1929 الى 1933، اذ أقام 13 معسكرا للاعتقالات في منطقة برقة الليبية، تحولت الى مقبرة جماعية لأكثر من أربعين ألف شهيد من أبناء ليبيا. وبأوامره، أعدم زبانيته البطل الليبي الشهيد عمر المختار عام 1931.

لم يمض موسوليني في معتقله طويلا، فبعد حوالي شهر من اقامته الجبرية، نجحت قوة مظلات ألمانية في اطلاق سراحه بأمر من صديقه هتلر وأعيد الى السلطة. وظن أنه استرد حياته وقوته السياسية من جديد. ولكن هزيمة القوات الالمانية وانهيارها في شمال ايطاليا. جعلته على يقين بانه لن يفلت من أيدي الحلفاء، فهرب هو وعشيقته كلارا بيتاشي وبعض من رجاله في طريقهم الى سويسرا.

ولم يستطع أن يكمل رحلة الهرب، فقد سقط في أيدي القوات الايطالية في 26 ابريل عام 1945 عند بحيرة كومو في الشمال قبل أن يعبر الى الاراضي السويسرية. وفي اليوم التالي أصدر ماسميت بجبهة التحرير الشعبية أمرا باعدام موسوليني.وفي 28 أبريل، تم تنفيذ حكم الاعدام في موسوليني وعشيقته كلارافي مدينة ميلانو.

وعرضت جثتاهما مع جثث خمسة من رفاقه في ساحة عامة في المدينة، وكانت أرجلهم معلقة. وتسابق الايطاليون في البصق على الجثث وركلها بالاقدام.

تلك كانت نهاية دكتاتور.. حكم شعبا عريقا له تاريخه الحضاري المتميز. شعب خرجت من أرضه نهضة ثقافية وفنية كبرى بهرت أوروبا والعالم. كان مؤلما للشعب الايطالي المعتز ببصماته المتميزة خلال عصر النهضة.

أن يحكمه دكتاتور، عامل بني وطنها على أنهم شعب قاصر. سولت له نفسه، أنه عبقري زمانه، وأنه القائد العظيم »الدوتشي«. فأمسك كل خيوط الحكم في يديه. تمسك بان يكون رئيس دولة ورئيس حكومة وفي الوقت نفسه وزيرا للخارجية والداخلية معا. أمسك بكل المناصب السيادية في الدولة وكأن لا أحد يقدر على القيام بمهام المناصب التي تولاها . ويمكن القول إن زبانيته في الحكم رفعوه الى مرتبة العظماء.

وصفوه بأنه حكيم واصلاحي ، وسياسي فنان يجمع بين عظمة يوليوس قيصر ومهارة المبدع الرسم ليوناردو دافنشي!.. وأنه لذلك من حقه أن يحكم ويخطط لكل صغيرة وكبيرة.

وصل موسوليني الى هذه الدرجة من الدكتاتورية، بعد أن خاض رحلة استيلاء على الحكم بالقوة بالنصب والاحتيال. بدأها في اعقاب دخوله البرلمان عام 1921. وقاد الحركة الفاشية التي انضم اليها محاربون قدامى، شكلوا ميليشيات مسلحة من ذوي القمصان السود. استغل حالة الضعف التي عانت منها ايطاليا بعد الحرب الأولى للوصول الى السلطة.

زحف بميليشياته بعد عام من عضويته للبرلمان الى روما في مظاهرة عسكرية انقلابية، أجبرت الملك عمانويل الثالث الى أن يكلفه بتشكيل الحكومة. وصور نفسه على أنه العلامة الحكيم الذي ينتشل ايطاليا من الوهن الذي اصابها في اعقاب الحرب الأولى. ولم ينتظر موسوليني طويلا للتخلص من كل أشكال الديمقراطية . ألغى الأحزاب، أحكم قبضته على الاقتصاد والتعليم والجيش والأمن والاعلام.

أمسك بكل شيء. وفي النهاية أفلت منه كل شيء، وأيقن الشعب خدعه ودجله وكان لابد من الخلاص منه بأيدي بني وطنه الذين استردوا كرامتهم وحريتهم باعدامه.

إضاءة

الساندرا.. فاتنة الفاشية الجديدة

الفاشية لم تنته في ايطاليا. فهناك الآن فاشية جديدة معدلة ومحسنة تقودها الساندرا حفيدة الزعيم الفاشي بنيتو موسوليني ، وهي في نفس الوقت ابنة أخت ممثلة ايطاليا الأولى صوفيا لورين. الساندرا كانت عارضة أزياء وممثلة اغراء . واقتحمت عالم السياسة عام 1992 بتأسيس حزب «العمل الاجتماعي الفاشي الجديد».وانتخبت نائبة عن مدينة نابولي في نفس العام. انضمت إلى «التحالف الوطني» اليميني، بزعامة جيانفرانكو فيني.

ثم انسحبت منه قبل خمس سنوات بعدما قال فيني خلال زيارة إلى إسرائيل، أن الفاشية الإيطالية أبشع الشرور. وقتها قالت إن العالم كله مطالب بأن يتوسل الى اسرائيل طالبا منها السماح. أسست بعد ذلك حزب «حرية العمل»، الذي تحالف مع جماعات فاشية تسمى «البديل الاجتماعي».

حسن صابر