تعيش بلجيكا اليوم أزمة حقيقية تهدد مستقبل ووحدة البلاد مع فشل الحكومة الحالية في التوصل إلى اتفاق بين الأحزاب الائتلافية المختلفة على إدخال تعديلات على الدستور تمنح حكماً ذاتياً موسعاً للإقليم الفلامنكي المتحدث باللغة الهولندية.
ولفهم حقيقة ما يجري حالياً في بلجيكا لا بد من معرفة جذور الأزمة الراهنة التي تعود إلى العام 1830 عندما تم تأسيس بلجيكا كدولة مصطنعة من قبل القوى الأوروبية كحل وسط بينها ولكي تكون تجربة في بناء دولة واحدة مؤلفة من قوميتين هما الفلامنكية والوالونية: الأولى تقطن شمال البلاد والثانية تقطن جنوبها وهناك أقلية ألمانية ضمت إلى بلجيكا بعيد هزيمة الألمان في الحرب العالمية الثانية وتقطن شرق البلاد.
هذه التوليفة من العرقيات المختلفة والتي تتحدث لغات مختلفة نجحت في التعايش في ظل نظام ملكي برلماني يقوم على الفيدرالية طوال هذه السنين الطويلة من عمر الدولة، ولكنه كان يخفي على ما يبدو صراعاً أخذ يظهر إلى العلن مع مطالبة الأغلبية الغنية التي تتحدث الهولندية بمزيد من الاستقلال الذاتي وبعدم تحمل أعباء الجنوب الفقير.هنا تكمن مفارقة حقيقية فالجنوب الناطق بالفرنسية كان حتى منتصف القرن العشرين هو الأكثر ثراء.
حيث كانت تتركز فيه مناجم الفحم الحجري وكان سكانه يسيطرون على المناصب السياسية في البلاد رغم كونهم يمثلون الأقلية، ولكن مع بداية السبعينيات من القرن الماضي انقلبت الموازين حيث تحول الشمال الفقير من الاهتمام بالزراعة إلى التصنيع واعتماد اقتصاد الخدمات خصوصاً الخدمات المالية والمصرفية ليصبح هو الجزء الثري بصناعاته ونشاطه الاقتصادي.
ويساهم القسم الشمالي من بلجيكا بحوالي 75% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد الذي بلغ 294 مليار دولار حسب معطيات العام 2003 وتبلغ نسبة صادراته من الصادرات الإجمالية لبلجيكا 87%. وهكذا، فإن الجزء الفرنسي من بلجيكا يعتمد على الإعانات الحكومية التي يتكبدها عملياً الجزء الهولندي، والتي تقدر بحوالي 10 مليارات يورو سنوياً.
في ضوء هذه الحقائق الرقمية، تبدو الفجوة واسعة تماماً بين الأحزاب الممثلة للطرفين الشمالي والجنوبي لدرجة دفعت رئيس الوزراء البلجيكي إيف لوترم إلى تقديم استقالته بعد أن عجز في التوفيق بين الأطراف المختلفة حول منح صلاحيات فيدرالية أوسع للشمال والجنوب قائلاً إن نهاية بلجيكا كدولة تلوح في الأفق.
وأضاف: «إن نموذج الإجماع الفيدرالي قد وصل إلى نهايته».العاهل البلجيكي ألبير الثاني رفض استقالة إيف لوترم وطالبه بالاستمرار على رأس حكومته من أجل تطبيق الإصلاحات الاجتماعية التي توافقت عليها الأحزاب المشكلة للائتلاف الحكومي.
ويتابع الاتحاد الأوروبي، الذي يتخذ من بروكسيل مقراً له، بقلق الأزمة المحتدمة في بلجيكا والتي تنذر بتقسيم البلاد خاصة مع مطالبة بعض الأحزاب في الشمال بالانفصال عن الجنوب وإعلان الاستقلال التام.
وهذا الأمر إذا ما حدث سيؤدي إلى تفكك إقليم والونيا إلى مناطق قد يطلب بعضها الانضمام إلى فرنسا والبعض الآخر إلى إمارة لوكسمبورغ بينما قد ينضم الجزء الثالث إلى ألمانيا.
وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي ظل يقدم بلجيكا بوصفها مثالاً للتعايش السلمي بين عرقين مختلفي الثقافة واللغة لإقناع دول مثل يوغوسلافيا وإسبانيا بحلم أوروبا الفيدرالية، إلا أنه تبين الآن أن ذلك المشروع أخذ يترنح ومعه مستقبل بلجيكا كدولة موحدة.
وقد يكون الحل هو بالفعل ما دعا إليه الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في عام 1942 في رسالة موجهة إلى أوليفر ليتلتون في وزارة الحربية البريطانية قال فيها: «يوجد في بلجيكا مجتمعان. الأول مجتمع الوالونيين وهم يتحدثون الفرنسية والآخر الفلامنكيين ويتحدثون الهولندية. هذان المجتمعان لا يمكنهما العيش معاً.
بعد الحرب، علينا أن ننشئ دولتين، واحدة تدعى والونيا والثانية فلامنكيا، وعلينا أن نضم لوكسمبورغ إلى فلامنكيا. فما رأيك بذلك؟» لكن شريحة واسعة من الشعب البلجيكي بمختلف أعراقه ترفض هذه الصيغة وتصر على الدولة الموحدة.