يبدو أن كل الجهود التي بذلتها روسيا الاتحادية ، على صعيد السياسة الخارجية فشلت في إقناع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والغرب بشكل عام بأن نصب منظومة الدرع الصاروخية الأميركية خاطئ وخطير. ومن أكثر الجوانب إثارة للقلق أن هذه النتيجة كانت سهلة التنبؤ منذ البداية. بمعنى آخر فان روسيا تحركت في لعبة فرضتها عليها الولايات المتحدة، وهي تعرف مسبقا أنها خاسرة.

هذه القضية تحمل موسكو على النظر و التفكير في ما آلت إليه علاقاتها الغربية، وخاصة الأوروبية منها ، فمثلا القيادة التشيكية توقع الاتفاقية ولا يهمها أن يكون ثلاثة أرباع السكان ضد الفكرة. بينما لم توقع وارسو على الاتفاقية للسبب نفسه، ومن أجل مساومة واشنطن على ثمن هذا القرار، والنتيجة في المحصلة النهائية خاسرة سواء بالنسبة للولايات المتحدة أو أوروبا أو روسيا ، ومن ثم لايمكن التعلل بتميز الغرب ديمقراطيا على غيره، فالأمر كله لعبة مصالح، تتم سواء وافق الشعب أم رفض.

ويمكن للدرع الصاروخية أن تعزز من المكانة الإستراتيجية و الجيوسياسية لبعض الدول ، ومنها بالطبع موقف براغ الاستراتيجي في عيون أوروبا وواشنطن. وهذا مهم للتشيك حاليا ولكن هناك شكوك حول ذلك في المستقبل، لأن الواقع يؤكد أنه إذا أرادت تشيكيا بالفعل أن تعزز من مكانتها الإستراتيجية في أوروبا، فيجب أن تحل هذه المسائل ليس في واشنطن وأوروبا، بل مع روسيا.

براغ تقول أنها تريد المشاركة في ضمان أمن أوروبا الجماعي، وعدم العودة إلى النفوذ الروسي. و لكن هل الأمن الأوروبي في خطر؟ وهل روسيا تشكل خطرا على أمن أوروبا وتشيك تحديدا؟

وفي حقيقة الأمر تدرك تشيكيا أنه في حال استلام الديمقراطيين السلطة في الولايات المتحدة، عقب الانتخابات الرئاسية الأميركية، فعلى الأرجح سيتأجل هذا المشروع. إضافة إلى ذلك أصبحت المسألة الصاروخية موضعا لخلاف حاد في السياسة الداخلية في البلاد.حيث تستخدم المعارضة اليسارية في تشيكيا، وخصوصا الحزب الديمقراطي الاشتراكي والحزب الشيوعي ومورافيا بنشاط رفض 75 % من المواطنين نصب الرادار الأميركي، في صراعها مع حكومة ميريك توبولانيك.

والحكومة التشيكية لا تستطيع تجاهل معارضة الديمقراطيين في الولايات المتحدة نفسها لمشروع إدارة الرئيس جورج بوش نشر الرادار والصواريخ الاعتراضية في شرق أوروبا. فهم يهددون بتعطيل اتخاذ قرار الموافقة على الميزانية العسكرية لعام 2008 إذا لم تحذف منها البنود المتعلقة بالمنظومة.

نهاية موسم التنازلات

وفي المجمل ومهما تعددت جوانب اللعبة السياسية داخليا أو دوليا، فان ظهور عناصر المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ على الحدود الروسية يرمز إلى اختتام مرحلة تاريخية كاملة، بدأت في عهد غورباتشوف بسماتها المتمثلة في سقوط جدار برلين ، واللقاءات غير الرسمية مع الصديقين بيل كلينتون وهيلموت كول، كما تعني انتهاء موسم التنازلات الروسية للغرب في كل المجالات عمليا. وها هو ذا الشعور بالخيبة في موسكو ، يعقب «المرحلة الرومانسية» في العلاقات مع الغرب .

ألا نعم ، لم يكن عصر الاتحاد السوفييتي السابق سوى لحظة عابرة في تاريخ روسيا الاتحادية وعلاقاتها مع الغرب التي لم تكن سهلة منذ البدء . لذلك كان لا بد من عودة الأمور إلى سياقها الطبيعي بعد نشوة قصيرة من دحر الشيوعية، حيث يشهد اليوم هذه العودة بعينها. وهذا لا يعني بالطبع الانزلاق الحتمي إلى الموجهة إن المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا لا تهدد روسيا اليوم بأي خطر يذكر.

ولكنها قد تكتسب الخطورة في المستقبل. لاسيما إذا أخذ بعين الاعتبار تلك الاعتمادات الإضافية التي تنوي واشنطن تخصيصها لتطوير هذه المنظومة ومع ذلك يبقى لروسيا المزيد من الوقت لكي تفكر في الإجراءات التي سترد بها ، حيث لا يجب أن تقتصر هذه الإجراءات على تعزيز المجمع الصناعي العسكري الروسي، ولكن يجب أن تضم أيضا إعادة النظر في الجوانب العديدة من السياسة الروسية الداخلية والخارجية.

ألا روسيا لن تسعى للانجرار إلى سباق تسلح جديد، كما أعلن عن ذلك رئيس الحكومة فلاديمير بوتين. لكنها ستواجه الإصرار الأميركي على نشر الدرع الصاروخية، من دون أن تتحمل تكاليف إضافية.

ومن المعروف أن الأسلحة النووية الإستراتيجية الرئيسية موجهة نحو أهداف معينة في حال تغيير مهمة الصاروخ ، و كما معلوم فان لكل رأس نووية عدة مهام للتحليق ، وقد تكون التشيك هدفا لروسيا ، ولن يتطلب هذا الأمر تكاليف باهظة، اذ يمكن تحقيق ذلك بسهولة ومن دون سباق تسلح.

وبطبيعة الحال توجد خطط لنشر منظومات صاروخية من طراز اسكندر ، ولكن روسيا قد تكتفي بإعادة تطوير صواريخ المناوبة القتالية ، ويبدو أن ذلك سيكون كافيا لضمان أمن روسيا الاتحادية. ان روسيا على عتبة جديدة من تحديد المواقع والحماية الذاتية لكل دولة ، خصوصا إذا تكلمنا عن أقطاب مثل الولايات المتحدة وروسيا من جهة أخرى . أما إذا نشرت عناصر منظومات الدرع الأميركية، فهذا سيهدد الأمن الروسي.

ويجب على روسيا أن تتخذ التدابير اللازمة من أجل حماية أمنها بداية ضد تشيكيا وبولندا أولا، وهو ما يوجب على الدولتين التفكير جديا قبل اتخاذ مثل هذه القرارات ، عبر الاهتمام بأمنهما قبل التفكير في مصالح وامن دول أخرى. ولا يمكن لمخططات من نوع الدرع الصاروخية إلا أن تقلق الدب و التنين «موسكو وبكين» ، لأن منظومة صاروخية من هذا النوع ستمكن الولايات المتحدة من محاصرة القوات النووية الصينية ، وضرب الحصار على قاعدة روسية للغواصات حاملة الصواريخ المجهزة برؤوس حربية نووية في كامتشاتكا.

وترى روسيا و الصين أنه من الضروري الاستعانة بدول «آسيان» لمواجهة مشروع الدرع الصاروخية الأميركي في آسيا، لذا فمن الممكن أن يكون لبكين وموسكو ما تريدانه ، لاسيما وأن الاستثمارات الصينية باتت تزيح الرأسمال الأميركي في المنطقة. وباتت الشركات الروسية أيضا تدخل إلى دول آسيا بقوة .

ورغم أن كلا من روسيا والصين تسعى أولا إلى تحقيق مصالحها في منطقة جنوب شرق آسيا، إلا أنهما مضطرتان إلى التعاون المشترك من أجل تحقيق ما تعتبره كل منهما الهدف الرئيسي ، وهو منع الولايات المتحدة من تنفيذ مخططاتها الخاصة بنشر الدرع الصاروخية.

د. معمر الفار