تستمر الملحمة الانتخابية الأميركية، إذا جاز لنا التعبير، بين مرشحي الرئاسة عن الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي جون ماكين وباراك أوباما، وتشتد المنافسة بينهما من أجل كسب ود الناخبين، ويحرص كل منهما على توضيح مواقفه من مختلف القضايا التي تهم المواطن الأميركي. ويلاحظ المراقبون أن قضايا السياسة الخارجية وبخاصة الموقف من الحرب في العراق وأفغانستان سيكون لها دور محوري في تحديد هوية المرشح الذي سينجح في الوصول إلى البيت الأبيض.

وفي هذه القضية بالتحديد، يبرز الاختلاف في المواقف بين ماكين وأوباما، وكان الاثنان قد ألقيا خطابين مهمين، مؤخراً، أوضحا فيه سياستيهما إزاء الحرب في العراق وأفغانستان. ويمكن تلخيص الخلاف الأبرز بينهما في أن أوباما ينظر إلى الحرب في كلا البلدين باعتبارها مشكلة بينما لا يراها ماكين كذلك. وبينما لوحظ أن أوباما قد قدم تحليلاً بهذا الخصوص، وإن لم يخل من الهفوات والثغرات، فإن ما قدمه ماكين لا يعدو كونه شطحاً من الخيال والتمني.

وبحسب التقارير الصحافية التي أوردت الخطابين، فإن موقفي المرشحين من الحرب في أفغانستان قد تلاقيا إلى حد كبير. فأوباما يدعو إلى إرسال لواءين إضافيين على الأقل إلى أفغانستان وتعزيز المساعدات الاقتصادية بمليار دولار وزيادة المساعدات غير العسكرية لباكستان ثلاثة أضعاف وضمان ذلك المستوى للعقد القادم. أما ماكين الذي لم يكرس الكثير من الاهتمام لأفغانستان، فيدعو إلى إرسال ثلاثة ألوية إضافية على الأقل وزيادة المساعدات الاقتصادية وكذلك الأمر بالنسبة للمساعدات المقدمة إلى باكستان ولكن من دون تحديد الأرقام.

حتى هذه اللحظة يبدو موقف الرجلين من الحرب في أفغانستان متشابهاً باستثناء شيء واحد، وهو أن أوباما يدعو أيضاً إلى القيام بعمليات سحب واسعة للقوات من العراق، وإعادة نشر بعضها في أفغانستان، بينما يعارض ماكين تخفيض القوات في العراق بأكثر من الألوية الخمسة الإضافية التي كانت قد أرسلت إلى العراق لتعزيز القوات الأميركية هناك. هنا تكمن المشكلة، فالجيش الأميركي منتشر بأقصى طاقته، وفقاً لحسابات الجيش نفسه، وبالتالي لا يمكن إرسال أية وحدات قتالية إضافية إلى أفغانستان ما لم يتم سحب عدد مماثل لها من العراق. وإذا أراد ماكين أن يرسل ثلاثة ألوية إضافية إلى أفغانستان كما يقول، فمن أين سيجلب تلك الألوية؟

وفي إشارة إلى دعوة أوباما إلى سحب القوات الأميركية من العراق، يقول ماكين: «سيخبركم السيناتور أوباما أنه لا يمكننا تحقيق النصر في أفغانستان من دون أن نخسر في العراق». هذا كلام ظريف من ماكين ولكنه لا يصيب كبد الحقيقة، فالإستراتيجية العسكرية تتضمن تدبير الموارد لخدمة أهداف الحرب. وإذا فاز ماكين بالبيت الأبيض، فإن أول شيء سيقوله له القادة العسكريون هو أنهم لا يملكون الموارد لتحقيق أهدافه في الحرب.

ماكين وحل «العرقنة»

يبدو أن ماكين لديه حل آخر للمشكلة في أفغانستان وهو: «العرقنة»، بمعنى تطبيق النموذج العراقي على أفغانستان. ويقول في هذا الصدد: «إن نجاح زيادة القوات في العراق هو بالتحديد الذي يدلنا على طريق النجاح في أفغانستان. فعن طريق تطبيق المبادئ المجربة والصحيحة لمواجهة التمرد والتي استخدمت بعد زيادة القوات، يمكنننا تحقيق النصر في أفغانستان».

هناك بعض المشكلات في هذا المنطق. أولاً، إن من السابق لأوانه الحديث عن نجاح لعملية زيادة القوات إلا إذا كان الهدف هو تخفيض الخسائر البشرية. أما إذا كان الهدف هو تحقيق غايات إستراتيجية ، فإن الإعلان عن النصر يعتبر مبكراً. ثانياً، من المبالغة وصف مبادئ مواجهة التمرد بـ «المجربة والصحيحة»، فالاستخدامات الناجحة لهذه المبادئ عبر التاريخ يمكن أن تعد على أصابع اليد الواحدة. وأحد هذه المبادئ يقول إنه يجب على العمليات الفعالة أن تأخذ بعين الاعتبار السياق المحلي.

ثالثاً، تجدر الإشارة إلى أن أعنف القتال في العراق دار في الأحياء السكنية في المدن، والتي جرى عزلها بأسوار من قبل الجنرال ديفيد بترايوس، مهندس الاستراتيجية المضادة للتمرد. ولم تنجح استراتيجية بترايوس لولا التحالف الذي حصل مع المتمردين من السنة ضد عناصر القاعدة، والاتفاق على وقف إطلاق النار مع الصدريين. بعض هذه الخطوات كان ذكياً وفاعلاً، وبعضها يعتبر ضربة حظ. ومن غير الواضح مدى صلاحية هذه الإجراءات للتطبيق في أفغانستان.

أوباما أيضاً، الذي قام بأول زيارة له إلى أفغانستان في بداية الأسبوع الجاري، لا يملك كافة الأجوبة حول كيفية النجاح في أفغانستان. فهو يقول إنه سيستخدم اللواءين الإضافيين لتأمين مساهمات أكبر من الحلفاء في الناتو. لكن هؤلاء الحلفاء الذين أرسلوا قواتهم إلى أفغانستان قبل عامين كانوا يعتقدون حينها أنها ستكون في مهمة لحفظ السلام، ولكن عندما صعدت حركة طالبان من عملياتها، تراجعت معظم تلك الدول عن إرسال المزيد من القوات أو وضعت شروطاً حول كيفية نشر قواتها ومتى وأين ؟

كما أنه من غير الواضح كيف ستساهم هذه الألوية سواء كانت اثنين أو ثلاثة أو حتى أربعة في تأمين الوضع في أفغانستان بالنظر إلى الملاذ الذي توفره المناطق القبلية الباكستانية لعناصر طالبان والقاعدة.

الموقف من العراق

بخلاف الموقف من الحرب في أفغانستان، هنالك فرق واضح بين ماكين وأوباما إزاء الحرب في العراق. موقف ماكين يمكن تلخيصه بمقولته: «لقد انتصرنا، وأعداؤنا يهربون، وعلينا أن نبقى هناك لجعلهم يهربون بسرعة أكبر». فلا حديث عن سحب القوات، وهناك نفي لأن يكون وجود 150 ألف جندي أميركي في العراق يشكل انحرافاً عن الهدف الحقيقي أو استنزافاً للموارد أو قوة احتلال تجعل الحكومة العراقية تحجم عن بسط سيطرتها على الوضع الداخلي وتحول دون مد الدول المعتدلة المجاورة للعراق يد المساعدة. كما أن ماكين لم يلمح حتى إلى تعهد من أي نوع بعدم العمل على إقامة قواعد دائمة في العراق، الأمر الذي يزيد من المخاوف بشأن النوايا الأميركية الحقيقية ويعزز صدقية الاعتقاد بأن الولايات المتحدة قامت بغزو العراق من أجل النفط.

على الجانب الآخر.

اتخذ أوباما موقفاً معارضاً تماماً لموقف خصمه ماكين بالنسبة للحرب في العراق. ولكن بعض بنود هذا الموقف توحي بأن أوباما إما قلل من أهمية الصعوبات المتعلقة ببعض اقتراحاته أو أنه لا يفهم مضامينها بالكامل.

فعلى سبيل المثال، ذكر أوباما أن تحديد جدول زمني للانسحاب «يدفع القادة العراقيين نحو حل سياسي». قد يكون هذا الاعتقاد صحيحاً، ولكن البعض يرى أن ذلك قد يدفعهم أيضاً إلى الاستعداد لحرب أهلية قادمة. فماذا لو حصل الاعتقاد الأخير؟ هل سيقوم أوباما عندها بتأجيل الرحيل؟

إضاءة

عندما تحدث أوباما عن إعادة نشر القوات الأميركية، قال إنه سيبقي على بعض القوات لتنفيذ مهام محددة في العراق كمطاردة فلول القاعدة وحماية الدبلوماسيين الأميركيين وتدريب ودعم قوى الأمن العراقية طالما أن العراقيين يحرزون تقدماً سياسياً. أي أنه ربط الانسحاب بتحقيق العراقيين تقدماً سياسياً. ومن هنا، فإن القوات التي يعتزم أوباما إبقاءها في العراق قد تكون أكبر بكثير مما يعتقد.

يرى المراقبون الأميركيون أنه بصرف النظر عمن يكون الرئيس الأميركي المقبل، فإنه سينفق الكثير من الوقت والمال على السياسة الخارجية. والسؤال هنا هو هل سيكون بمقدور أي من المرشحين أن يقنع جمهور الناخبين بأن تلك النفقات ضرورية؟

ضرار عمير