قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو باتهام الرئيس السوداني عمر حسن البشير ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية وتطهير عرقي في إقليم دارفور ألقى بظلال كثيفة على المنطقة العربية ، ووضع الكثير من علامات الاستفهام حول ما إذا كان عدد من حكامها قد أصبحوا على المحك، بعد أن فجرت تلك الأزمة سؤالا حائرا حول إمكانية تكرار سيناريو محاكمة البشير ومن قبله صدام حسين واحتمالات التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية بحجة حقوق الإنسان وغيرها، وتأثير ذلك على سياسات الدول العربية وقدرتها على الخروج من قبضة الهيمنة بدون خسائر أو محاكمات أخرى.

يؤكد السفير السودانى لدى مصر عبد المنعم مبروك أهمية وجود تحرك عربي فاعل لمواجهة الهجمة للقوى الدولية التي تحاول فرض هيمنتها وبسط نفوذها على المجتمع الدولي، وخاصة المنطقة العربية لتحقيق أطماعها وأهدافها في المنطقة العربية بشكل خاص من خلال إتباع سياسة الكيل بمكيالين واختلاق المبررات والادعاءات الكاذبة لتبرير تدخلها في الشؤون الداخلية للدول المستقلة الأعضاء بالمنظمة الدولية للأمم المتحدة في انتهاك صارخ لكل الأعراف والقوانين الدولية. وأضاف مبروك أن الإجراءات التي اتخذتها أو تتخذها المحكمة الجنائية الدولية لا تخضع لأي قانون ولا تستمد قوتها من أية اتفاقية دولية فهو قرار سياسي وليس قانوني، حيث إن السودان غير مصدقة على لائحة المحكمة الجنائية الدولية ولا تخضع لها، كما أن السودان دولة مستقلة عضو بالأمم المتحدة وتمتلك السيادة الوطنية على كامل أراضيها ولها تطبيق قوانينها على كامل ترابها الوطني وعلى جميع المواطنين ، ورئيسها رئيس شرعي وله تطبيق القانون السوداني في أنحاء السودان.

ونوه مبروك بعزم السودان حشد الجهود الدولية والإقليمية سواء العربية أو الإفريقية لدعم الموقف السوداني ، مؤكدا أن السودان يعول الكثير على الموقف العربي وأن كان هذا الموقف رغم إيجابيته فإنه لم يرق بعد إلى حجم الطموح والآمال السودانية ، مشيرا الى أن بلاده تجري اتصالات حثيثة ومكثفة في العديد من الاتجاهات ، وعلى الكثير من المستويات والأصعدة لضمان التأييد الدولي للموقف السوداني الشرعي. وشدد السفير عبد المنعم مبروك على وجود مساندة قوية من عدد من الدول والقوى الدولية وخاصة من الصين وروسيا .

ومن جانيه ، أكد المدير السابق لإدارة القانون الدولي بوزارة الخارجية المصرية السفير إبراهيم يسري على خطورة قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية باعتقال الرئيس السوداني عمر البشير، منبها الى أن هذا القرار يأتي في إطار حملة التفكيك التي يتعرض لها السودان على مدار العشرين عاما الماضية والتي بدأت بالجنوب والذي في طريقه فعليا لترسيخ الانفصال عن الشمال وظهور محاولات متفرقة في الشرق ثم أخيرا كانت الضربة القاصمة في دارفور الغني بالثروات المختلفة من بترول وماس ويورانيوم والفوسفات والتي توازي مساحتها مساحة فرنسا .

الامن العربي

وحذر يسري من أنه في حال إذا ما كتب لهذه المحاولات النجاح ، فإن هذا يعني توجيه ضربة قاضية للأمن القومي العربي والقضاء على الحلم العربي وتكون البداية الفعلية لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط ، وتمزيق الدول العربية الكبرى إلى دويلات صغيرة تبدأ بالسودان ثم العراق فالصومال والبقية تأتي.!وأكد عدم صحة ما استند إليه المحامي العام للمحكمة الجنائية الدولية في وجود تطهير عرقي.

أو إبادة جماعية في دارفور بل إن الأمر على عكس ذلك ، حيث تثار القلاقل في الإقليم من خلال عصابات تأتي عن طريق تشاد وغيرها ، مشددا على أهمية وضرورة وجود تحرك عربي قوي وحازم ونشط لأن ما يحدث يمثل تهديدا للأمن العربي ككل والذي أصبح في مهب الريح بعد القرار الأخير .

وأبدى دهشته من هذا التجرؤ على القيادات العربية ، مؤكدا أن السكوت على هذا التجرؤ من شأنه تشجيعهم على تكرار ذلك على رئيس أي دولة عربية تخرج عن النسق أو الخط المرسوم لها، وللتخلص من أي رئيس لا يرغبون فيه أو انتهى دوره المرسوم له، خاصة وأن معظم الدول العربية بها انتهاكات لحقوق الإنسان .

وهذه الانتهاكات ليس المسؤول عنها من قام بها فقط . وإنما أيضا القادة والوزراء والمسؤولون وهو ما يعطي القوى الدولية المبرر في التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية وإملاء رغباتها.

وطالب يسري بدور عربي فاعل في القضية وأن يتسم بالقوة وألا يقتصر على مجرد الإدانة والشجب والرفض والتصريحات الفاقدة للمعنى والاكتفاء بالإدانة الشعبية وأن تطلب جامعة الدول العربية من كل من الأردن وجيبوتي باعتبارهما عضوين بالمحكمة الدولية مطالبة المدعي العام بتقديم مذكرة توقيف في حق كل من توني بلير وجورج بوش وخوسيه ماريا أذنار ورامسفيلد لارتكابهم جرائم حرب معروفة للجميع ومن اليسير إثباتها.

ومن ناحيته، أوضح أستاذ القانون الدولي وعضو المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان الدكتور نبيل حلمي أن المحكمة الجنائية الدولية أنشئت لمواجهة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية ومتابعة وتعقب الأفراد وليس فقط الدول، ولذلك فإن اللائحة الخاصة بالمحكمة لا تطبق إلا على الدول التي صدقت على الاتفاقية.

وفي نفس الوقت فإن مجلس الأمن يستطيع وفقا للفصل السابع أن يحيل أي واقعة إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية لها. وهذا ما تم مع السودان ومع الرئيس عمر البشير بأن أحال مجلس الأمن هذا الموضوع إلى المحكمة ولذلك تم اتخاذ الإجراءات اللازمة وفقا لقواعد المحكمة الجنائية الدولية .

ونوه إلى استمرار السياسة الدولية في اتباع سياسة الكيل بمكيالين ، وبصفة خاصة في العراق وفلسطين وما فعلته الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل بهما.

حيث لم تتخذ ضدهما أي إجراءات قانونية سواء من جانب مجلس الأمن أو تلك المحكمة الجنائية الدولية رغم أنهما يتشابهان مع السودان في أنهما كذلك غير مصدقين على لائحة المحكمة.

إضاءة

عن آليات تنفيذ قرار المدعي العام ، يوضح أستاذ القانون الدولي وعضو المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان الدكتور نبيل حلمي أن الموقف القانوني ، هو توقيف رئيس السودان عمر البشير فلابد أن ينصاع إلى ذلك ويقدم إلى المحكمة ويدافع عن نفسه، إلا إذا رأى مجلس الأمن إيقاف الإجراءات لمدة سنة قابلة للتجديد، منبها إلى أن الخطير في هذا الأمر أن أية دولة يتوجه اليها البشير يكون من الواجب عليها اعتقاله وتسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وأشار إلى إمكانية وجود إجراء آخر لإيقاف البشير وتسليمه من خلال إجراء محاكمة وطنية عادلة بمراقبة من المجتمع الدولي، وأن تتم محاكمته مع المتهمين بارتكاب هذه الجرائم على اعتبار أن القضاء الدولي يأتي بعد القضاء الوطني ومكملا له وهو ما يطلق عليه القضاء التكميلي ودون ذلك لابد من تسليم الرئيس السوداني ومحاكمته.

سباعى ابراهيم