أثار القرار الصادر عن مورينو أوكامبو المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية بإلقاء القبض على الرئيس السوداني عمر البشير لارتكابه، كما يزعم، عمليات إبادة عنصرية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ضد سكان إقليم دارفور السوداني- أثار ولأول مرة في التاريخ مجموعة من التناقضات بين المحكمة الدولية والأمم المتحدة، وذلك على الرغم من أن المنظمة الدولية نفسها هي التي رعت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عملية إنشائها ومن ثم باركت ولادتها.وكان مجلس الأمن تحديدا هو الذي كلف المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في عمليات إبادة عنصرية مزعومة في دارفور.

لكن بطء عمل هذه المؤسسة القضائية وعدم فعاليتها في العديد من النزاعات الحربية وجرائم الحرب والإبادة العنصرية بسبب حق الفيتو، الذي تتمتع به الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، قد أضعف مصداقيتها إلى حد كبير. كما وصل الأمر بالأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى حد انتقاد قرار المحكمة الجنائية الدولية الخاص باعتقال الرئيس السوداني،وذلك جراء تخوفه من أن يؤثر هذا القرار على بعثة الأمم المتحدة في المنطقة.

على الرغم من أن المحكمة الدولية قامت بواجبها طبقا للأهداف التي أنشئت من أجلها.لكن المشكلة تكمن في أنه على الرغم من أن محكمة الجنايات الدولية هي هيئة مستقلة، إلا أنها ترتبط بعلاقة وثيقة مع منظمة الأمم المتحدة ينظمها نظامها الأساسي، الأمر الذي يجعل المواقف المتضاربة التي تظهر في يومنا هذا حول الرئيس البشير ترمي بظلالها على كلا الهيئتين، مما يعرض القضية كلها إلى الاهتزاز.

تأسست المحكمة الجنائية الدولية عام 2002،و بلغ عدد الدول الموقعة على قانون إنشائها 105 دول حتى نوفمبر 2007، وقد وقعت 41 دولة أخرى على قانون روما لكنها لم تصادق عليه بعد، كما تعرضت لانتقادات من عدد من الدول منها الصين والهند وأميركا وروسيا، وهي من الدول التي تمتنع عن التوقيع على ميثاق المحكمة التي باتت تشمل غالبية أوروبا وأميركا الجنوبية، ونصف أفريقيا .

في عام 2002، سحبت دولتان، هما الولايات المتحدة وإسرائيل توقيعهما على قانون المحكمة وكذلك عضويتهما، وبذلك لم يعد هناك ما يحملهما على تنفيذ ما يترتب عليهما من التزامات تجاه المحكمة، بينما لم تصادق الدول العربية، باستثناء الأردن، على نظام روما الأساسي وظلت خارج مظلة المحكمة الدولية.

المحكمة الجنائية، التي يقع مقرها الرئيسي في هولندا، فتحت، حتى الآن، تحقيقات في أربع قضايا تتعلق بالأوضاع في أوغندا والكونغو الديمقراطية وأفريقيا الوسطى ودارفور. كما أنها أصدرت 9 مذكرات اعتقال وتحتجز اثنين مشتبه بهما ينتظران المحاكمة، كما تم في عام 1989إنشاء محكمة دائمة للنظر في تجارة المخدرات، وتشكلت المحكمة الخاصة بمحاكمة مجرمي الحرب في يوغسلافيا 1993، وأخرى خاصة بمحاكمة مجرمي الحرب في رواندا 1994.

تعتبر المحكمة الجنائية الدولية، من حيث المبدأ، هيئة مكملة للمحاكم القومية ومن واجبها احترام النظام القضائي الجنائي القومي، باستثناء الحالات التي يكون فيها هذا النظام قادراً على التحقيق والفصل في الجرائم التي تقع تحت سلطة المحكمة الجنائية الدولية.كما انه لا يشترط استنفاذ كافة الوسائل القومية لكي تتمكن المحكمة الجنائية الدولية من النظر في القضايا المطروحة عليها، إذ أن هذه المحكمة ليست محكمة استئناف.

أن هذه المحكمة لا تأخذ في الاعتبار الحصانة المتأتية من المراكز الرسمية لرئيس دولة أو رئيس حكومة أو وزير أو نائب،حيث لن يكون أي منهم معفى من المسؤولية الجنائية،مما يعني أنه لن يسمح بطلب تطبيق الحصانة القائمة على المنصب الرسمي للشخص أثناء المحاكمات.أما بالنسبة لأعضاء القوات المسلحة أو أعضاء المجموعات المساعدة لها فإنهم يساءلون أيضاً عن الأعمال التي يرتكبونها هم شخصياً أو الأعمال التي يرتكبها مرؤوسوهم.

اختصاصات

اختصاص المحكمة الجنائية الدولية محصور بأشد الجرائم خطورة التي تثير اهتمام المجتمع الدولي بأسره، على غرار جرائم الإبادة الجماعية، أي فعل يرتكب بقصد القضاء على جماعة قومية أو أثنية أو عرقية أو دينية بصورة كلية أو جزئية بغض النظر عن الجماعات الاجتماعية والسياسية، أي قتل أفراد الجماعة، إلحاق ضرر جسدي أو عقلي بهم، إخضاعهم عمداً لأوضاع معيشية مزرية، فرض تدابير لمنع الإنجاب، أو نقل الأطفال إلى جماعات أخرى.

ومن ثم تأتي الجرائم ضد الإنسانية، التي تشمل أي فعل يرتكب ضمن إطار هجوم واسع النطاق موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين كالقتل عمداً، الإبادة، الاسترقاق، الإبعاد القصري للسكان، السجن والحرمان الشديد من الحرية البدنية، التعذيب، الاغتصاب والاستعباد الجنسي والإكراه على البغاء والحمل القصري والتعقيم القصري، وأي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي، واضطهاد أي جماعة لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو اثنية أو ثقافية أو دينية أو متعلقة بنوع الجنس،الاختفاء القسري للأشخاص.فضلا عن جرائم الفصل العنصري.

جرائم الحرب تعني الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس 1949 وتشمل التعذيب أو المعاملة اللإنسانية بما في ذلك التجارب البيولوجية، القيام عمداً بإحداث معاناة شديدة أو إصابات خطيرة بالجسم أو الصحة، تدمير الممتلكات والاستيلاء عليها، إرغام أسير حرب للخدمة في صفوف معادية، حرمانه المحاكمة العادلة، الإبعاد أو النقل أو الحبس غير المشروع، اخذ الرهائن، شن هجمات ضد السكان، أو المنشآت المدنية.

تعمد شن هجمات ضد الموظفين أو المنشآت الإنسانية، قصف المدن والقرى الخالية من الأهداف العسكرية،قتل أو جرح مقاتل ألقى سلاحه أو استسلم مختاراً، تعمد توجيه الهجمات ضد المباني المختصة للأغراض الدينية والتعليمية والخيرية والمستشفيات وأماكن تجمع المرضى والجرحى.

تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر إلزاميا أو طوعياً للمشاركة في الحروب وهناك جريمة العدوان، التي لم ينجح المؤتمر في استخلاص تعريف لها. أما تعريف القانون الدولي لها، حسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 ديسمبر 1974 فهو على الشكل التالي: «العدوان هو استعمال دولة ما، القوة المسلحة ضد دولة أخرى ضد السيادة وسلامة الأرض والحرية السياسية أو بأي طريقة أخرى».

إضاءة

يجب التفريق بين المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، فالأولى ليست جهازاً من أجهزة الأمم المتحدة إلا أنها ستكون في المستقبل صلة الوصل الوثيقة بها، من خلال عدد من الاتفاقيات الرسمية المتعلقة بحقوق الإنسان بوجه عام، وذلك على عكس محكمة العدل الدولية، التي هي أحد الأجهزة المهمة في الأمم المتحدة وتتميز بسلطة حل النزاعات بين الدول، بينما تقتصر سلطة المحكمة الجنائية الدولية على الجرائم التي يرتكبها الأفراد.

باسل ابو حمدة