الحوارات أنواع وأصناف وذات مذاقات غنية متباية، وتعبر عن ضرورات لا غنى عنها في مراحل معينة في إطار علاقات الناس العادية أو العلاقات الدولية . وقد تكون بناءة وقد تتحول إلى نوع من الجدل البيزنطي عندما تدور في حلقات مفرغة. وقد تنطلق من نوايا حسنة، لكنها لا تؤدي تلقائيا إلى نتائج إيجابية، لا سيما عندما تنحرف عن مساراتها المعلنة على غرار ما يطلق عليه مفاوضات بين الأطراف المتنازعة في منطقة الشرق الأوسط أو تلك التي تسمى حوار الحضارات أو حوار الأديان،التي تجري على الصعيد العالمي .
تلك المسارات التي ترمي ،افتراضا، إلى تقريب وجهات النظر المختلفة وجسر الهوة بين مفهومين مختلفين أو أكثر، على أرضية الالتقاء عند اقرب خط وسط ممكن، عل سفينة نوح الدنيوية تكمل رحلتها الشاقة عبر أزقة وشعاب الكرة الأرضية في جهاتها الأربع. من المؤكد أنه ليس هناك إنسان عاقل لا يقدر قيمة مخاطبة الناس بعضهم بعضا، فهذه الصفة الوحيدة ربما، إذا أخذنا في الاعتبار أنها تشكل أحد أهم منتجات العقل، التي تميز الكائن البشري عن بقية كائنات الدنيا الأخرى.
لكن مما لا شك فيه أن طبيعة وغايات التواصل بين الناس تختلف وتتباين إلى حد كبير بين حالة وأخرى، ومما لا يرقى إلى الشك أيضا هو ضرورة البقاء في عملية تواصل دائم بين البشر بغض النظر عن معتقداتهم وأعراقهم ودياناتهم وجنسياتهم وبين الفئات الاجتماعية التي تعيش في كنف مجتمع واحد.
كل ذلك من البديهيات، التي ارتأينا التذكير بها حتى لا يختلط الأمر على أحد ويعتقد أننا ضد الحوار، أي حوار يحترم ماهية الإنسان ويحفظ له كرامته ويرد عنه ويلات هو في غنى عنها ، لكن شرط ألا يعني استباحة هذه الوسيلة الإنسانية الراقية وجعلها مطية لكل من يريد أن يتوارى خلفها ليخفي حقائق مؤلمة ويظهر بمظهر حضاري زائف لا علاقة له لا من قريب أو بعيد بالجوهر الإنساني للتواصل والحوار بين الناس.
مع أننا نكاد نجزم ونقول إن مثل هكذا حوار من الصعب أن يرى النور إلا في جمهورية أفلاطون الطوباوية أو في إطار مشفوع بكثير من الضوابط والقواعد الواضحة،التي تنظم وتحكم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان في المجتمع الواحد أو بين أكثر من مجتمع.
وربما يتمثل الشرط الأول لحوار حقيقي من هذا القبيل في أن يتم على أرض حقيقية وحول قضايا خلافية حقيقية وبين ممثلين حقيقيين لفئات اجتماعية متباية بصورة حقيقية،هذا إذا سلمنا ،بداية، بمصداقية الكثير من المبادرات الداعية إلى الحوار التي يبدو أنها لا تغني ولا تسمن من جوع ساعة اتخاذ القرارات الكبرى من قبل مراكز القرار الدولية التي تسيطر عليها وتحكمها شركات احتكارية عملاقة غير معنية بالمرة بأي توجهات إنسانية حضارية من هذا النوع.فيما تأخذ سلسلة المؤتمرات الحوارية شكل الموضة السائدة في أيامنا هذه .
وذلك لضبابية الرؤية وغياب أي معالجات ومقاربات حقيقية لمختلف المشكلات المطروحة على الأجندات الوطنية والإقليمية والعالمية، يبقى الجوهر الحقيقي لتلك المشكلات بعيدا كل البعد عن إمكانية المعالجة في كنف هذا النوع من اللقاءات العالمية الاحتفالية، التي لا تخرج بأي حال من الأحوال عن دائرة شبكات العلاقات العامة، التي برعت بها المناهج الحالية للرأسمالية الاحتكارية حول العالم، وتمكنت من التستر على حقائق كبرى تحف بالمصالح الحقيقية المباشرة للناس وتعكس واقع استغلالهم والتلاعب بمصائرهم.
مؤتمرات اللون الواحد لا تفضي إلا إلى إنتاج صيغة واحدة منفردة ومتفردة، بينما المطلوب هو حوار بين طيف واسع من الألوان المتباينة علنا نصل إلى النتيجة المرجوة المتمثلة بعدم طغيان لون على آخر بالصورة الوحشية التي نستطيع رؤيتها بوضوح في غير مكان من العالم. الشكليات والبروتوكولات والأتكيت، كلها سلوكيات جميلة ولطيفة وراقية.
وربما مطلوبة في أروقة الأماكن المترفة وفنادق الخمس نجوم، لكن الذين يمارسونها غير معنيين بالمرة بمشكلات ومعاناة الطبقات الفقيرة في مجتمعات بلدان العالم الثالث ولا يأبهون بتضييق الفجوة الطبقية التي تزداد حدة وعمقا القائمة بين الطبقات والشرائح الاجتماعية التي تأن تحت وطأة الفقر والعوز من جهة وبين الطبقات والفئات الاجتماعية المرفهة والمتخمة، والتي لا مكان للفرقة فيما بينها حول مسألة قومية أو عرقية أو دينية، ذلك أن ما يجمع فيما بينها أقوى واشد منعة على الاختراق.