يحكم بعض بلدان أفريقيا.. زعماء ناضلوا ضد الاستعمار، ثم تشبثوا بكراسي الحكم، الا أن واحدا فقط هو المناضل الأفريقي الكبير نيلسون مانديلا، ضرب مثلا عسى أن يحتذى به عشاق السلطة الذين تورطوا في أشكال من الاستبداد ضد شعوبهم بسبب طول الاقامة في الحكم.
هذا المثل، هو حرصه على نقاء الديمقراطية وتداول السلطة. فقد قرر في ديسمبر 1997 التنحي عن رئاسة حزب المؤتمر لخليفته ثابو مبيكي. ولكنه ظل رئيسا للبلاد حتى صيف 1999. بعدها اعتزل الحياة السياسية ، وقال لمحبيه في أرجاء العالم «لا تتصلوا بي سوف اتصل انا بكم». لم يفعل ذلك سوى مانديلا. هناك حكام عجائز تجاوزوا الثمانين، ولكنهم يرون في التمسك بالكرسي، صباهم أو شبابهم! مانديلا الذي ولد في مثل هذا اليوم من عام 1918، كان والده رئيس قبيلة. ترعرع في صباه وشبابه في ظل مناخ عنصري بغيض. اذ لم يكن يحق للسود المشاركة في الحياة السياسية أو إدارة شؤون البلاد. بل وكان من حق النظام العنصري أن يجرد السود من ممتلكاتهم أو أن نقلهم من مقاطعة إلى أخرى.
وكانت حياة مانديلا الدراسية غير مستقرة. فمثلا قبل أن ينهي دراسته في جامعة فورت هار، تم فصله عام 1940 لاشتراكه مع رفيقه اوليفر تامبو في اعتصام طلابي. ثم درس القانون. وفي 1942 انضم إلى عضوية المؤتمر الوطني الأفريقي الذي تولى الدفاع عن حقوق الأغلبية السوداء في مواجهة نظام الأقلية البيضاء الذي استهدفت سياسته دوما ادخال تشريعات عنصرية هدفها تهميش السود وفصلهم عنصريا. وكان مانديلا قد عمل محاميا وافتتح شركة قانونية مع رفيق النضال تامبو الذي كان يرأس قبله المؤتمر الوطني الافريقي. مع بداية الستينات بدأ مانديلا يخوض معركته ضد العنصرية. وكان في البداية يتمسك بالمقاومة السلمية على طريقة المهاتما غاندي. ثم أجبرته المعاملة الاجرامية من جانب النظام العنصري على خوض النضال المسلح كحق مشروع، خاصة بعد أن أطلقت سلطات النظام نيرانها على مظاهرات الطلبة عام 1960.
في تلك الفترة صار مانديلا بطلا قوميا في عيون بني وطنه الذي اغتصبه البيض. وفي عام 1961 أصبح رئيسا للجناح العسكري للمؤتمر الوطني الافريقي.
وفي العام التالي،وكان قد اعتقل وبعد الإفراج عنه قاد النشاط السرية التي كانت تدعو إلى ضرورة التوافق على ميثاق وطني جديد يعطي السود حقوقهم السياسية.
وفي 1962 غادر مانديلا إلى الجزائر للتدرب العسكري ولترتيب دورات تدريبية لأفراد الجناح العسكري في الحزب.وعند عودته اعتقل بتهمة مغادرة البلاد بطريقة غير قانونية، والتحريض على الإضرابات والعنف، وتولى الدفاع عن نفسه بنفسه. وقال في دفاعه الذي استمر لمدة خمس ساعات وغلبت عليها العواطف «لقد تمسكت بمبدأ اقامة مجتمع ديمقراطي وحر يعيش فيه الجميع في انسجام وبفرص متساوية. انه مبدأ اتمنى ان اعيش من اجله وتحقيقه وانا على استعداد للموت من اجله اذا لزم الامر ذلك».
ولكن المحكمة اصدرت حكمها عليه بالسجن مدة 5 سنوات. وخلال فترة العقوبة كانت هناك محاكمة أخرى عرفت بمحاكمة «ريفونيا» التي كان متهما فيها أيضا وهذه المرة بتهمة التخطيط لعمل مسلح، وحكم عليه عام 1964 بالسجن مدى الحياة.
أمضى المناضل مانديلا 27 عاما في السجن. وصار رمزا عالميا لمناهضة العنصرية. وانطلقت صيحته من داخل زنزانته الى شعبه. حيث تم تسريب رسالته التي نشرت في 10 يونيو 1980.
وتقول الرسالة وهي عبارة عن نداء وطني : «اتحدوا واستعدوا وقاتلوا.. وسنسحق الفصل العنصري بين سندان التحرك الشعبي ومطرقة المقاومة المسلحة». ولأن صوته من داخل سجنه كان يدويا في أنحاء العالم، فقد عرض عليه عام 1985 إطلاق سراحه مقابل وقف المقاومة المسلحة،الا أنه رفض العرض.
وظل سجينا حتى 11 فبراير 1990. اذ لم يكن أمام آخر رؤساء نظام الفصل العنصري وهو ويليام دي كليرك سوى أن يستجيب لارادة المجتمع الدولي ويرفع الحظر عن نشاط المؤتمر الوطني ويفرج عن مانديلا.
هذا الموقف، كان ثمنه الحصول على جائزة نوبل للسلام مناصفة مع الزعيم مانديلا.بعد اطلاق سراحه، أصبح مانديلا زعيما لحزب المؤتمر. وفي العاشرمن مايو 1994 اختير كأول رئيس أسود لجنوب أفريقيا.
بعدها اعتزل بمحض ارادته لينال احترام العالم بأسره، ويستحق بعدا لقب آخر المناضلين المحترمين في القرن العشرين.ومن مواقفه التاريخية بعد اعتزاله، دعوته الى العالم لكي يعمل المزيد للقضاء على الفقر.
أعلن ذلك أمام الآلاف من الذين احتشدوا في ساحة ترافالغار سكوير بقلب لندن قبل 3 سنوات. وطالب بالعدالة في التجارة وإنهاء تصاعد ديون الدول الفقيرة وتحسين نوعية المعونات. كان ذلك ضمن حملة خيرية دوافعها «جعل الفقر من الماضي». وقال «لا حرية حقيقية حيث يتواجد الفقر».
وأضاف «في هذا القرن، ملايين من الناس في الدول الفقيرة لا يزالون سجناء وعبيدا في سلاسل، إنهم محبوسون في سجن الفقر. حان الوقت الآن لتحريرهم».
مانديلا الذي بلغ التسعين، سيظل حيا ونابضا في قلوب الشعوب التي تسعى الى الحرية والمساواة.
إضاءة
كانت مجرد مزرعة لكن الانشطة التي دارت فيها ادت الى تحرير جنوب افريقيا من نظام الفصل العنصري اذ احتضنت اجتماعات نيلسون مانديلا وعدد من الناشطين المناهضين للتمييز العنصري.
ويقول دنيس غولدبرغ الذي اعتقل مع زعماء اخرين مناهضين لنظام الفصل العنصري عندما اقتحمت الشرطة مزرعة ليليزليف في 1963 كان الامر مشوقا للغاية لاننا كنا نخطط لاطاحة الحكومة.
وكان مانديلا اقام سرا في المزرعة بين اكتوبر 1961 ويناير 1962 منتحلا شخصية مختلفة قبل ان يغادر البلاد لجمع الاموال. وفي هذه المزرعة اسس مانديلاالركائز لانشاء الجناح المسلح لحزب المؤتمر.
وكان اودع السجن قبل سنة من تنفيذ حملة الاعتقالات في المزرعة وحكم عليه بخمس سنوات. لكن المحاكمة التي اعقبت اقتحام المزرعة شكلت منصة انطلاق له.
حسن صابر