كانت كرة القدم إحدى الاختيارات الصعبة التي خاضتها حواء بمحض إرادتها وتفوقت فيها عن جدارة، ولم يعد المستطيل الأخضر بالنسبة لها مجرد هواية بل تحول إلى احتراف يلقى نفس الاهتمام والتقدير سواء بسواء مع كرة القدم الرجالية.
والدكتورة سحر الهواري هي رائدة الكرة النسائية الحديثة في العالم العربي وواحدة ممن قدموا إسهامات عديدة للعبة في مختلف بلاد العالم، وهي حاملة الراية من الأجيال السابقة للأجيال القادمة، وهي أيضا حاملة الراية، بالمعنى الحرفي للكلمة، في الملاعب خلال المنافسات النسائية في كرة القدم. تقول د. سحر ان جذور الكرة النسائية كانت موضوع دراستها لرسالة الدكتوراه، حاولت قدر الإمكان تدوين تاريخها القديم. وكانت الدراسة الأولى من نوعها التي بحثت في تاريخ اللعبة وبعد الحصول على الدرجة العلمية قامت بإهداء مكتبة كرة القدم في الاتحاد الدولي لكرة القدم نسخة منها فتحولت إلى مرجع للدول النامية في مجال دراسات تطوير كرة القدم. ولعبة كرة القدم النسائية لعبة موغلة في القدم تعود جذورها كما تؤكد د.سحر إلى قدماء المصريين وهذا ما أظهرته نقوش المعابد القديمة وأكده عالم الآثار المعروف د. زاهي حواس.
كذلك عرفت الإمبراطورية الصينية هذه اللعبة خلال العصور الوسطى وظهر ذلك في النقوش الموجودة على جدران المعابد والتي أكدت مشاركة الملكات والأميرات في المنافسات، مما يعني أنها كانت لعبة ذات شأن مهم، والغريب أن هذه الحضارات لم تكن تعرف بعد، في ذلك الوقت، كرة القدم الرجالية، ولعل هذه الأدلة التاريخية تكفي للتأكيد على أن الكرة النسائية ليست من مبتدعات القرن الماضي فقط ولكنها أقدم وأعرق من الكرة الرجالية. أما اللعبة بمفهومها المعاصر فقد بدأت في انجلترا في سبعينات القرن التاسع عشر وتساوى الاهتمام وقتها بتطوير عنصري اللعبة الرجال والنساء.
ويعتبر فريق (دك آند كير) أول فريق كرة قدم نسائي منظم في العالم خلال فترة العصر الحديث وتعود القصة كما تعرضها قاعة المشاهير بمتحف متروبول في نيويورك إلى مصنع تشارك فيه شابان هما (دك) و(كير) أرادا ابتكار فكرة لترويج منتجات مصنعهما فقررا إنتاج فانلات تحمل أسماء منتجات مصنعهم وتكوين فريق كرة قدم نسائي يرتديها خلال مبارياته في الولايات المتحدة والغريب أن الفريق خاض مباراتين ضد فريق من الرجال تعادل في واحدة وخسر الأخرى، وبالتالي يمكننا القول ان اللعبة ظهرت في البداية لأغراض دعائية وتسويقية بحتة.
وفي العام 1912 أقيمت أول مباراة دولية بين منتخبي انجلترا وفرنسا وكانت لأغراض خيرية، حيث أقيمت لصالح ضحايا الحرب العالمية الأولى ومن المذهل أن جمهورها تجاوز 40 ألف متفرج ومن غريب المصادفة أن تكون كابتن الفريق هي نجلة قبطان السفينة الشهيرة (تايتانيك) بطلة الكارثة البحرية الأكبر في التاريخ وكان الجهاز الفني للفريقين مكونا من الرجال.
تضيف د. سحر أن اللعبة بدأت بعد ذلك في الانتشار في القارة الأوروبية وانتقلت إلى عالمنا العربي وبالنسبة لي شخصيا توطدت علاقتي باللعبة من خلال والدي الحكم الدولي عزت الهواري، عليه رحمة الله، وكان أحد خبراء التحكيم العالميين في كرة القدم خلال السبعينات والثمانينات وكنت أعتبره مثلي الأعلى. اصطحبني معه في كل المباريات التي قام بالتحكيم فيها سواء المحلية أو الدولية وازداد تعلقي باللعبة وأصبحت أمنية حياتي أن أكون لاعبة كرة قدم.
وتوالت المنافسات بين الفرق النسائية في مختلف دول العالم، بعضها منظم بشكل رسمي وأغلبها يدار بشكل ودي وفي العام 1991 نظمت في الصين أول كأس عالم في الكرة النسائية، ومن خلال متابعتي للمباريات وخبراتي التي اكتسبتها من الوالد من خلال محاضراته في التحكيم الدولي للعبة كرة القدم تمنيت أن أكون حكما أكثر من أن أشارك كلاعبة، وربما كان السبب هو تخصص الوالد الذي اعتبرته مثلي الأعلى واستهواني التحكيم في اللعبة وتولدت بداخلي رغبة قوية في إعادة إحياء كرة القدم النسائية.
خاصة مع بعض الاتجاهات الرافضة لهذه اللعبة في المجتمع العربي بشكل عام بحجة أننا مجتمع شرقي لا يجوز لبناته المشاركة في كرة القدم وهي بالطبع مغالطة واضحة لأن اللاعبات البنات يشاركن في لعبات أكثر عنفا مثل الجمباز والألعاب القتالية ورفع الأثقال والسباحة وألعاب القوى.
وبعد وفاة الوالد قررت تبني دعم فكرة اللعبة بشكل قوي عن طريق السعي إلى تأسيس اتحاد لها وقوانين وتشريعات تنظمها ووجدت دعما من بعض أولياء أمور الفتيات ومعارضة من البعض الآخر، كما تعرضت لهجوم من بعض وسائل الإعلام وقتها وساعدتني دراستي في مجال الإعلام على تجاوز الهجوم. ولعل المهاجمين قدموا خدمة جليلة للعبة دون قصد، فعندما اعترضوا على الفكرة ونشروا اعتراضاتهم في وسائل الإعلام ساعد ذلك على تنبيه الناس لوجود الفكرة وقوتها.
وحددت د. سحر العام 1995 كبداية نجاح الفكرة وظهورها الطبيعي، حيث رفض الاتحاد المصري لكرة القدم الفكرة في بدايتها، ثم أسست أول فريق مصري للكرة النسائية بعد جولة في الأقاليم لاكتشاف المواهب.
وتكفلت بالإنفاق على الفريق، وكذلك قمت بمراقبة لاعبات الألعاب الأخرى مثل كرة السلة والطائرة واليد، وكان مشوارا صعبا تمخض عنه ولادة أول فريق متكامل للبنات من 30 لاعبة قمت باستضافتهن والإشراف على تدريبهن ورعايتهن لمدة 5 سنوات كاملة في بيتي وكن يتدربن في حديقة المنزل وساعد على نجاحنا تفهم الفتيات وأولياء أمورهن لطبيعة وأهمية التحدي الذي نخوضه ومساعدة بعض المسؤولين لنا مثل الدكتور عبد المنعم عمارة، وكان وقتها وزيرا للشباب والرياضة.
وفي العام 1995 أقيم كأس العالم الثاني للسيدات في السويد وأرسل لي الاتحاد الدولي دعوة للحضور فقمت بالتغطية الإعلامية اللازمة وأقنعت التلفزيون المصري بحضور الحدث وبثه على الهواء مباشرة ومن هنا بدأ الاهتمام الإعلامي بكرة القدم النسائية في مصر.
وعلى المستوى الخليجي بدأت اللعبة في البحرين عام 1998 في شكل دورات مدرسية ثم تطورت حتى أصبح لها منتخب محترف وفي الإمارات طرحت الفكرة لأول مرة خلال مهرجان دبي للتسوق عام 2002 ولاقت قبولا من المسؤولين عن الرياضة وبدأ تطبيقها الفعلي عام 2003.
وتكونت وقتها لجنة للكرة النسائية عملت على تطوير اللعبة، وفي نفس العام تم تنظيم مباراة لمنتخب العرب للسيدات مع فريق نادي (تشلسي) الانجليزي للسيدات ونقلت على الهواء عبر الفضائيات.
وتضيف د. سحر: بعدها قمت بجولة في أندية دبي لاختيار لاعبات المنتخب، وكان نادي سيدات دبي ونادي الشباب من أوائل الأندية التي طبقت الفكرة بنجاح.
وفي عام 2004 انتقلت الفكرة إلى أبوظبي وتتابعت الأندية في تكوين الفرق النسائية عبر انتقاء اللاعبات الماهرات وشاركت الإمارات في دورات التحكيم للسيدات التي أقيمت في مصر حيث اجتازت 3 لاعبات من الإمارات الدورة ليصبحن فيما بعد نواة تحكيم اللعبة، وتوالت بعد ذلك نجاحات الإمارات في المجال ومنها احتضان البطولة العربية في فبراير من العام 2006، والتي نظمها نادي أبوظبي الرياضي بالتعاون مع نادي ضباط القوات المسلحة واتحاد الإمارات لكرة القدم وشهدت البطولة منافسات منتخبات سلطنة عمان والبحرين والعراق ولبنان وسوريا وفلسطين ونادي أبوظبي، ممثلاً للإمارات، إضافة إلى ناديي عمان والأرثذوكسي الأردني وفريق الجاليات.
د. سحر الهواري
- عضو مجلس إدارة الاتحاد المصري لكرة القدم والمشرفة على الكرة النسائية بالاتحاد
- أستاذ بكلية الإعلام منذ عام 2001 م
- عضو باللجنة النسائية بالاتحاد الدولي لكرة القدم منذ عام 1998
- رئيس أول لجنة لكرة القدم النسائية بالاتحاد المصري لكرة القدم منذ عام 1996
- أول حكم سيدة بالاتحاد المصري لكرة القدم عام 1997 - 2002.
أيمن حجازي