لم يدرك مارك جوكربيرغ عندما أنشأ موقعه المشهور (فيس بوك) عام 2004، بهدف جمع ابناء جامعته هارفارد في موقع واحد يتيح لهم امكانية تبادل الآراء والصور فيما بينهم، أنه سوف يستقطب اكثر من 50 مليون مستخدم بمجرد فتحه امام العامة، ويصبح خامس أكثر المواقع الاجتماعية زيارة في العالم بخلاف مواقع المحادثة والمنتديات الإلكترونية الأخرى.

وقد استطاعت هذه المواقع ان تثير زوبعة من التناقض، فمن جهة تكالبت الدعوات المطالبة بحظرها لما فيها من اساءه للنفس البشرية، وتحريض للتمرد على الواقع الاجتماعي والسياسي في بعض الدول، مثل (اضراب الرجالة) الذي دُعي اليه من خلال الفيس بوك في 6 ابريل الماضي بمصر التي تعتبر الاولى في الشرق الاوسط استخداما لموقع فيس بوك.

حيث يضم موقعها 437 ألف مشترك، لتسري بعدها الى الاردن. ومن جهة اخرى ظهرت دعوات مختلفة تؤيد هذه المواقع وتحديدا فيس بوك لمساهمته في اعادة احياء علاقات الصداقة القديمة وتوسيع اطارها ببناء أخرى جديدة. وامام هذا الواقع، كان لابد من اثارة تساؤلات عدة، فهل اصبحت هذه المواقع تمثل تربة خصبة للتنفيس عما يدور بالخلد، أم ان استخدامها يقتصر على التسلية فقط؟، وهل يمكن ان يؤدي الإدمان عليها الى الانعزال عن المحيط كما هو الحال في الألعاب الالكترونية؟، والى اي حد تساهم في الإغناء عن وسائل الاعلام الأخرى في ظل التسارع التكنولوجي المخيف الذي تشهده الانترنت تحديدا؟ ولذلك كان لا بد من التوجه الى الشباب كونهم الاكثر ولوجا إليها.

يقول فيصل محمد عنها: المواقع في مجملها العام جيدة، رغم دخول بعضها في خانة السيئة، وهذا يتوقف على الاستخدام ذاته والهدف منه، خاصة وان شبكة الإنترنت اصبحت عالما مفتوحا يحتوي على كل شيء، ويضيف فيصل الذي يقاطع مواقع الشات منذ عام ونصف تقريبا لصالح موقع فيس بوك الذي يزوره 3 مرات اسبوعيا: لا اكترث كثيرا لمواقع الشات لأنه لا يوجد فيها احترام للذات، وهو ما لم اجده في الفيس بوك الذي مكنني من التواصل بسهولة مع اصدقاء طفولتي ومعرفة أخبارهم، والتعبير عما في نفسي بحرية دون رقابة احد، واشار فيصل الذي يرى انها لا تغني عن وسائل الإعلام الأخرى، الى ان احتمالية الإدمان عليها واردة وقد تؤدي الى العزلة كما حدث معه في بداية حياته بالإمارات التي لم يكن يعرف فيها احدا حينها، ما جعله اسيرا لهذه المواقع، التي يستخدمها للتواصل مع اصدقائه ولكن ما لبث ان اخرج نفسه من هذا الاطار بتكوين مجموعة من الاصدقاء.

أما عمر محمد فيقول: استخدامي للفيس بوك يكون حسب اوقات الفراغ، ولكني لا اتعدى في كل مرة الثلاث ساعات، حيث اتواصل خلالها مع أصدقائي في اماكنهم واتعرف على اخبارهم، وقد عوضني ذلك عن مواقع الشات الاخرى التي اعتبرها مضيعة للوقت.

ويضيف: بالنسبة لي لا تغني هذه المواقع عن وسائل الاعلام الاخرى التي احتاجها لمعرفة ما يحدث حولي، ولكنها تعطيني هامش حرية اكبر للتعبير عما في نفسي من خواطر او افكار، وهو ما لا نجده على ارض الواقع، ولكن هذا لا يعني ان اعزل نفسي عن محيطي الخارجي وان أتحول الى مدمن لهذه المواقع رغم معرفتي التامة بأن هناك من هو كذلك.

ويتفق معه رامي علم الدين الذي قال: قد يظن البعض ان موقع فيس بوك مضيعة للوقت كغيره من المواقع، وبتقديري أن هذه نظرة سطحية للموقع، فهو على العكس تماما يجمع الاصدقاء مع بعضهم البعض ويعطيهم الفرصة للتواصل ومعرفة الاخبار وتناقل الآراء والأفكار فيما بينهم، ويواصل رامي الذي يزور موقع الفيس بوك يوميا: بلا شك ان الفيس بوك اصبح اليوم شاملا ويغني عن بقية المواقع الأخرى التي لا ارى اي داع لوجودها، لانها اصبحت مجرد تسلية ليس اكثر، الى جانب انه يعطي المجال للشاب ان يعبر عما في نفسه من افكار او اطروحات قد تفيد الآخرين لأنه يعتمد على مجموعات ضخمة يمكن الاستفادة منها في شتى المجالات.

ولكن هذا لا يغني عن مطالعة وسائل الاعلام الاخرى لمعرفة آخر التطورات على الساحة الدولية، رغم ثقتي التامه انه لم يعد هناك شباب كما السابق يهتمون بالقراءة والمطالعة ومتابعة البرامج التلفزيونية، بل اصبحت الانترنت تشغل وقت الشاب وتعطيه ما يحتاجه من اخبار وغيرها، وهذا بتقديري - يقول رامي - انه قد يؤدي في الشاب الى العزلة التامة عن بيته ومحيطه الخارجي وهنا يكمن الخطر.

أما الهيثم يوسف الذي يزور مثل هذه المواقع في الاجازات وعطلة نهاية الاسبوع ويقضي فيها نحو 4 ساعات، فقال: جودة هذه المواقع تكمن في طبيعة الاستخدام، فإذا كان استخدامها صحيحا اعتقد انه لابد لمستخدمها سواء كان صغيرا ام كبيرا الاستفادة منها، بينما العكس صحيح اذا كان الاستخدام في غير محله، وبسؤاله عن مدى تأثيرها على الشاب واذا ما كانت متنفسا له فقال: بالتأكيد هي متنفس على الأقل بالنسبة لي شخصيا.

فأحيانا كثيرة اشعر بأنني قادر على التعبير عما في نفسي كتابة أكثر من الكلام، واعتقد ان هذا يفتح امامي مجالا للتعبير عما يدور بخاطري من أفكار وآراء، ولكن لا اقبل ان يعزلني عن محيطي الخارجي.

واعتبر فريد جهاد الذي نادرا ما يزور الفيس بوك رغم امتلاكه لحساب عليه، ان استخدام جميع مواقع الشات والمنتديات الإلكترونية ما هو إلا مضيعة للوقت، وقال انه يستغرب من اولئك الذين يحبسون انفسهم في اطار هذه المواقع، ما يعزلهم عن الآخرين ويحد من علاقاتهم الاجتماعية الحقيقية لتتحول الى مجرد علاقات (رقمية)، ورغم كثرتها إلا انه لا يرى بأنها تغني عن وسائل الإعلام الأخرى.

غسان خروب