تعد منطقة أبيي حتى الآن المشكلة الأكبر في اتفاق السلام بين شمال وجنوب السودان، هذا الاتفاق الموقع في نيفاشا الكينية عام 2005. فبين حين وآخر تتأزم العلاقة بين الطرفين ، وتصل الى حد الصدام العسكري المسلح ، ثم لايلبث ان يجتذب الصراع أطرافا خارجية تعمل على توسيع دائرة الأزمة.

هذ التازم المتتالي ينبع من الاهمية الخاصة التي تكتسبها منطقة أبيي، بالنسبة للأطراف الداخلية والدولية. فالمنطقة تتداخل فيها عناصر الصراع الداخلى، من حيث التناقض الديني والعرقي، ومن حيث توزيع الثروة والسلطة ، كما تجتمع فيها عناصر اجتذاب التدخل الخارجي إقليميا ودوليا ، حيث الصراع الدولي على النفط، والمنطقة غنية به. تقع منطقة ابيي غرب كردفان، وهي غنية بثرواتها الطبيعية من الزراعة والمراعي والثروة الحيوانية ، نظرا لتوافر مياه الانهار والأمطار. ويسكنها قبيلتان إحداهما عربية ، هي قبيلة المسيرية ، والثانية أفريقية هى قبيلة الدينكا. ويدين العرب بالاسلام، أما الأفارقة فمنهم وثنيون ومسيحيون. ومنذ بدء الصراع بين الشمال والجنوب قبل نحو ثلاثة عقود انحازت المسيرية الى الشمال، بينما شكل الدينكا عماد تمرد الحركة الشعبية لتحرير السودان، ومثلوا المستودع البشري والسياسي لها . ما جعل المنطقة محل استقطاب داخلي حاد ، نظرا للخلاف على الثروة، حيث المراعي والمياه ، وعلى السلطة ، حيث العلاقة مع الحكومة المركزية في الخرطوم.

ومع اكتشاف النفط انتقل الصراع الداخلي من المحلية الى التدويل، اذ كانت بدايات التنقيب تتم بايدي شركة شيفرون الأميركية، الا أن تطورات كثيرة حرمتها هذا الامتياز ونقلته الى شركات صينية وماليزية. و على الرغم من ثراء المنطقة بالنفط، إلا أنه تحول، في هذه الاجواء، الى نقمة على السكان المحليين ، فهم لم يعرفوا خيراته لكنهم ذاقوا ناره، في شكل صراعات دامية تركت حياتهم في قحط مستمر وموجات قتل لا تتوقف.

ان مشكلة أبيي الحقيقية تكمن في ثنايا سلام نيفاشا، اذ لم يحسم اتفاق السلام وضع المنطقة بين الشمال او الجنوب، بل تركه غامضا ومعلقا ، اذ اكتفى بتخصيص بروتوكول ينظم وضعها بين الطرفين . وتناول البروتوكول عدة قضايا مثل : الهيكل الاداري وتقاسم الموارد و ترسيم الحدود، والترتيبات الأمنية.، لكن البنود ظلت معطلة. وكانت أهم بنود هذا البروتوكول هي :

* أن تحصل أبيي على وضع إداري خاص تحت إشراف مؤسسة الرئاسة السودانية، ويديرها مجلس تنفيذي محلي ينتخبه السكان .

*توزيع صافي عائدات بترول أبيي في الفترة الانتقالية على ست حصص تحصل فيها الحكومة القومية على 50%، وحكومة جنوب السودان على 42%، ومنطقة بحر الغزال على 2%، وغرب كردفان على 2%، والجهات المحلية في دينكا نقوق على 2%، والجهات المحلية في المسيرية على 2%.

* فيما يتعلق بترسيم الحدود تقوم رئاسة الجمهورية بتعيين لجنة لتحدد وترسم الحدود في المنطقة .

وتحدد الرئاسة تشكيل اللجنة وجدول عملها الزمني. وتضم اللجنة خبراء وممثلين للمجتمعات المحلية وللإدارة المحلية، ويجب أن تنهي اللجنة عملها في العامين الأولين في الفترة الانتقالية. وتقدم لجنة الحدود تقريرها النهائي إلى رئاسة الجمهورية، وتتخذ الرئاسة حال تسلمها هذا التقرير الإجراءات الضرورية لجعل الوضع الإداري الخاص لمنطقة أبيي موضع التنفيذ الفوري.

*وبالنسبة للترتيبات الأمنية تضمن الروتوكول تشكيل الطرفين لفرقة أمنية واحدة تنتشر في المنطقة خلال الفترة الانتقالية. ويتم نشر المراقبين الدوليين لضمان التنفيذ الكامل لهذه الاتفاقيات.

*ويشمل الإقليم تسع مشيخات من (قبيلة دينكا) حولت إلى كردفان في عام 1905.تحتفظ (قبيلة المسيرية العربية) والجماعات الرعوية الأخرى بحقوقها التقليدية في الرعي والتحرك عبر أراضي أبيي.

*وفي نهاية المرحلة الانتقالية يجري سكان أبيي استفتاء منفصلا بالتزامن مع استفتاء جنوب السودان المشكلة أن هذا الاتفاق تجاهل قضية جوهرية مثل انتماء قبيلة المسيرية العربية الى المنطقة ، واعترف لهم فقط بحق الرعي.

بينما اعترف بملكية الدينكا للاقليم ، كما تجاهل الوضع القانوني لأبيي كجزء من ولاية كردفان الجنوبية منذ العام 1905؛ معتبرا انه ينتمي الى الجنوب، بل يمكن القول إن طرفي الصراع في السودان حرصا على ان يكون الاتفاق مبهما ، كي يفسره كل منهما كما يروق له.

وبدا ذلك جليا في مشكلة ترسيم الحدود وعندما شكلت الرئاسة السودانية لجنة الترسيم بمقتضى الاتفاق ، فوجئت بارتكاب العديد من الاخطاء القانونية والجغرافية ، مما شجع الرئاسة على عدم الاخذ بما جاء فيه . وهو ما أزم الموقف مع الحركة الشعبية، فسحبت وزراءها من الحكومة في ديسمبر 2007 ولكنهم عادوا في بدايات العام الجاري بعد مباحثات وتدخلات.

وفي مايو الماضي تجددت المشكلة ثانية على مستوى من له حق الادارة، بعدما خرقت الحركة الشعبية بروتوكول ابيي، وعينت ادارة للاقليم من طرف واحد، وهو ما اعتبرته الرئاسة السودانية استفزازا وخروجا على ما جاء في بروتوكول نيفاشا.

وساهمت هذه التطورات في توتر الموقف داخل أبيي، حيث أراد كل طرف استباق أي تطورات محلية او دولية، من خلال فرض واقع ديموغرافي على الارض موات له ، مما ساهم في حدوث اشتباكات دامية بين قبيلة المسيرية العربية (التي يساندها ويسلحها الجيش الحكومي) والدينكا الأفريقية (التي يسلحها ويدعمها الجيش الشعبي لتحرير جنوب السودان).

ولما تمكنت المسيرية من هزيمة الدينكا ، تدخلت قوات من الجيش الشعبي. وأمام اختلال الموازين العسكرية تدخلت قوات من الجيش الحكومي ، وتمكنت من طرد الجيش الشعبي. في معارك أسفرت عن موت العشرات ونزوح نحو 50الف شخص .

وكانت حركة تحرير جنوب السودان قد تعمدت استفزاز الحكومة عسكريا ، وتسخين الاجواء المحلية والدولية ، بالتزامن مع انعقاد مؤتمرها الثاني في مدينة جوبا ، وذلك بهدف استجلاب الضغوط الخارجية، من خلال دعوتها الأطراف الضامنة لاتفاق نيفاشا الى التحرك لحل الازمة .وهذا ماحدث.

على الفور سارعت الولايات المتحدة الى التحرك بارسال مبعوثها ريتشارد وليامسون، الذي شن هجوما عنيفا على قوات الامم المتحدة لحفظ السلام متهما اياها بالتقاعس عن حماية المدنيين ، قائلا إن قوات الامم المتحدة كانت على بعد ثمانية امتار من بيوت أحرقت ولم تتدخل . وجاءت هذه التصريحات بهدف حرمان قوات الامم المتحدة من مشروعية وجودها في المنطقة لفرض واقع جديد عليها.

وامعانا في ممارسة الضغوط لحساب الحركة الشعبية ، هدد وليامسون الحكومة السودانية بأن الولايات المتحدة لن تعترف للخرطوم باي تقدم في المحادثات السودانية الاميركية، وهي المحادثات الجارية لتجاوز المشكلات العالقة بينهما، مالم تتنازل الحكومة السودانية في ابيي. وهو ماحدث فعلا، اذ اضطرت الخرطوم للرضوخ ، بعدما نفذ وليامسون تهديده وقطع المباحثات. و بناء على ذلك تم التوصل الى خريطة طريق لبروتوكول أبيي يوم الأحد الموافق الثامن من يونيو الماضي .

وتسعى الولايات المتحدة من خلال اعتبارها طرفا ضامنا في نيفاشا ، الى فرض وجودها السياسي في قلب الأزمة ، من اجل استرداد مكانتها الاقتصادية على صعيد الثروة النفطية السودانية ، و خاصة في ابيي ، وتنتج نحو خمسة وسبعين بالمائة من نفط الجنوب ، ونحو خمسين بالمائة من نفط السودان .

ويقدر حجم الانتاج السوداني من النفط بحوالي خمسمائة الف برميل يوميا . ووفقا لتقديرات المجموعة الدولية لمعالجة الازمات ( تقرير صادر في اكتوبر 2007) فان الحكومة السودانية جنت نحو مليارين وثمانمائة مليون دولار عوائد من نفط أبيي في العام2006. ومن المتوقع ان يكون الرقم قد تضاعف في العام الجاري عدة مرات مع الارتفاع الجنوني في اسعار النفط العالمية .

هذه الثروة النفطية المتنامية تجعل من أبيي محط تجاذب شديد بين واشنطن من جهة والصين من جهة اخرى. لكن توازنات السياسة تميل لصالح واشنطن ، بعد الصفقة التى أبرمت مع بكين بشأن تايوان وكوريا الشمالية ، وهو مااضعف موقف الحكومة السودانية امام حليفها في الحركة الشعبية وأمام واشنطن .

ومع اضعاف موقف الحكومة يضعف بالتالي موقف قبيلة المسيرية العربية لصالح قبيلة الدينكا . ويعد هذا الموقف الشمالي هو الثاني من نوعه في حق المسيرية ، اذ ان الشمال ، ممثلا في حزب المؤتمر الوطني الحاكم ، اهمل عند التوقيع على اتفاق نيفاشا النص على حقوقهم في الارض ، باعتبارهم سكانا وأصحاب وطن في أبيي، واكتفى بضمان حقوق المرعى فقط، وهو ما شجع الحركة الشعبية على التعامل مع المسيرية من هذا المنظور.

فسعت الى تهجيرهم قسريا بواسطة العمليات المسلحة ، ضمانا لنتائج الاستفتاء المقرر للمنطقة عام 2011. وهو ما أزم الاوضاع في أبيي خلال الفترة الماضية، وسيؤزمها مستقبلا .ولايخلو الاجراء الجديد المسمى (خريطة طريق تنفيذ بروتوكول نيفاشا)، الذي تم التوافق عليه مؤخرا بشأن ابيي، من هذا الخطر المتوقع، رغم ترحيب طرفي الصراع به ، لانه اهمل الحقائق الموجودة على الأرض، فالاجراء الجديد لا يخرج عن نصوص اتفاق نيفاشا ، بل يفصلها، اذ يتضمن أربعة بنود أساسية:

*الأول يختص بالترتيبات الأمنية.

ويقضي بنشر قوات مشتركة بحجم كتيبة (بدلا عن اللواء التابع للجيش السوداني، وكان يضم نحو ثلاثة آلاف جندي). وقد بدات هذه القوة مهامها في يونيو الماضي .

وتتكون من 640عسكريا منهم320 فردا من الجيش الشعبي لتحرير السودان و 319فردا من الجيش السوداني.ويقودهم العقيد فالانتينو توكماج. *ويتضمن الثاني اعادة النازحين إلى قراهم بمجرد إنجاز الترتيبات الأمنية.

*و ينص الثالث على إنشاء إدارة مشتركة مؤقتة تختار الحركة الشعبية لتحرير السودان رئيسها، ويختار حزب المؤتمر الوطني نائب الرئيس. *وينص الرابع على اللجوء إلى التحكيم فيما يتعلق بترسيم الحدود ، في مدة زمنية

لا تتجاوز شهرا. وإذا فشل التحكيم يلجأ الطرفان إلى المحكمة الدولية لترسيم الحد.

ان الاتفاق الأخير جاء محصلة للضغوط الأميركية، ومعبرا عن المصالح الأميركية الرامية إلى انفصال الجنوب، ومنه أبيي. ووفقا لنصوص هذا الاتفاق فان أبيي دخلت دائرة التدويل الفعلي رغم انف الحكومة السودانية ، وهو مايعني أن الصراعات لن تتاجج في مقبل الايام بسبب المياه والمراعي فقط ، ولكن ستتاجج أيضا بفعل النفط ، مع تحول منطقة ابيي الى مركز تصارع دولي للشركات العالمية.

وهو ماينذر بدفع اثمان باهظة مقابل كل برميل نفط يخرج من السودان . ومهما توصل الطرفان المتصارعان الى اجراءات جديدة ، دون ضمان الحقوق على الأرض ، فان التعايش في أبيي سيكون مستحيلا على غرار دارفور .

إضاءة

على الرغم من ارتباط وضع اسم الرئيس السوداني عمر حسن احمد البشير ضمن قائمة المطلوبين للمحكمة الجنايات الدولية ، يبدو ظاهريا انه مرتبط باحداث دارفور، الا أن التوقيت لاينفصل عن توقيع خريطة طريق تنفيذ بروتوكول أبيي وما سيترتب عليها من اجراءات، فكأن القوى الدولية خاصة الولايات المتحدة الاميركية قررت أن تقايض محكمة الجنايات الدولية بمحكمة العدل الدولية، في حال اللجوء اليها فسلامة الرئيس ستكون مقابل التساهل في ابيي.

وتدرك القوى الكبرى وواشنطن بشكل خاص امكانية نجاح مثل هذه المبادلة فقد خبرت من واقع التجربة أن الضغوط سلاح قوي وفعال مع حكومة السودان.

أحمد الكناني