في شارع البنوك وسط البنايات الحديثة بالشارقة ينتصب شامخاً كشموخ الأولين، يحكي تاريخ الأسلاف، وعظمة الأجداد، ها هنا جلسوا وعمروا الأمكنة بسواعدهم السمراء القوية، تسري في أوصالك قشعريرة الرهبة وأنت تحث قدميك، لتقوم بجولة حول الحصن العتيد، تمسح بيديك الجدران متوقفاً عند التفاصيل الصغيرة، تأخذك الأبراج إلى زرقة السماء فتتمنى الصعود إلى هناك، حيث الزخرفة التي تزيّن سور الحصن من الأعلى وكذلك أبراجه الثلاثة المنتصبة في الزوايا كحرس يطل حانياً على مسيرة مفعمة بالكفاح والصبر، يشدك التاريخ إلى مدخل حصن الشارقة فتلقي تحية إكبار على مدفع عتيق يربض على يسار المدخل.

ها أنت رويداً ترمي خلف ظهرك ضجيج السيارات وتحيد الوجوه ثم تتوضأ من عبق التاريخ لتدخل مرحبة بك الشواهد فتنزلق حواسك من ذاكرة التاريخ والسنوات لعقود وتأخذك إلى عام 1550، حيث حكم الأمير القاسم بن إبراهيم، تتابع السنوات مع كل فترة حكم إلى أن تصل أخيراً إلى العصر الحديث وتولي صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، ثم وأنت تدير وجهك إلى الجهة المقابلة وتتوقف ملياً أمام صور نادرة لإمارة الشارقة، وبعض الوجوه التي تمثل جوانب مختلفة من طرق العيش آنذاك، أعضاء فرقة شعبية يقرعون الطبول ممتلئة أفواههم بالأهازيج، مداو شعبي يقوم بكي أحد المرضى وسط ترقب الحاضرين، وصور أخرى للأسواق والصيد وغيرهما.

لربما انسلخت تماماً من واقعك لتلقي نظرة على غرفة التوقيف التي كانت تستخدم للتحفظ على المشتبه بهم، تتجه إلى داخل الحصن فيقابلك مدخل برج (الحلوسة) وهو أحد أبراج الحصن الثلاثة، مدخل البرج من الأسفل يفضي إلى غرفة دائرية هي سجن (الحلوسة)، تتوقف متمعناً في السلاسل وأحجامها الكبيرة كذلك القيود والأغلال التي كانت تستخدم آنذاك في تكبيل الخارجين على القانون، ولربما تزاحمك الأسئلة عن تهم الذين سجنوا هنا في زمن مشهود له بالطيبة والبساطة.

إلى باحة الحصن الفسيحة تتجه، يستوقفك مخزن السلاح وهو خلف المدخل الرئيسي مباشرة، وموقعه يمكن الحراس من الحصول على الأسلحة بأسرع وقت ممكن في حال تعرضهم لأي هجوم، أما ساحة الحصن الداخلية فقد كانت تشهد الأفراح والمناسبات الاجتماعية، وتعتبر ملتقى يضم شرائح مختلفة من نسيج المجتمع السائد في ذلك الوقت. وقد كان حصن الشارقة مقراً للحاكم على مدار سنين طويلة، أما الآن فقد تحوّل إلى متحف يضم بين جنباته وغرفه العديدة صور حكام إمارة الشارقة ووثائق قديمة إلى جانب نماذج مصوّرة ومجسّدة لأدوات كانت تُستعمل في الحرف المختلفة، ففي غرفة توثق للأحداث التي جرت في الشارقة نشاهد صوراً ورسائل أصلية وقصاصات للصحف القديمة التي تؤرخ لأحداث مهمة شهدتها الشارقة منذ عام 1924 وحتى عام 1951، وهي فترة حكم الشيخ سلطان بن صقر القاسمي عم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، أما غرفة الوثائق فهي تضم اثنتين وعشرين وثيقة جرت أثناء حكم الشيخ سلطان بن صقر القاسمي.

وفي غرفة مجاورة تعرض فيها صور نادرة تكاد تنطق بالجمال والروعة لنساء ورجال وأطفال يرتدون الأزياء التقليدية، وكذلك صور للسوق القديم والصيد بالصقور، أما الغرفة الصغيرة الملحقة بهذه الغرفة الكبيرة وقد كان يُطلق عليها (المدبسة) فهي مخزن للتمر، وكانت تُستخدم لإعداد العسل الأسود المعروف باسم (الدبس) ويُستعمل الدبس في بعض الأكلات الشعبية، وفي غرفتين يربطهما باب داخلي تُعرض الأدوات التي كانت تُستخدم في التجارة.

وتضم إحدى الغرفتين ميزانا ضخماً مصنوعا من الخشب والحبال كان يستخدم في وزن الملح، كذلك هناك ميزان مصنوع من النحاس الأصفر كان يستخدم لوزن البلح، وموازين أخرى بأحجام مختلفة كانت تستخدم في أغراض التجارة، أما العملات التي كانت متداولة في تلك الفترات فهي متواجدة، ابتداء من العملة الفضية ماريا تريزا التي صكت في استراليا عام 1780م، وحتى الروبية الهندية التي بقيت في الأسواق حتى جاء الريال الجديد في الستينات من القرن الماضي. أما غرفة الأختام فهي تضم نماذج وصورا لأختام تحمل أسماء أصحابها وصوراً لوثائق ممهورة بالأختام.

نعود إلى ساحة الحصن باحثين عن طريق يؤدي إلى الطابق العلوي، لنجد أربعة سلالم تؤدي إلى الأعلى منها درج صغير بالقرب من برج (الحلوسة)، وآخر خشبي في صدر الساحة، وسلالم أخرى في زوايا الحصن، أما برج مربع شرق أو البرج المربع فهو يضم في أسفله مخزنا للأسلحة الذي يحوي بدوره على أول بندقية تم إحضارها للشارقة واستخدمت للدفاع عن النفس.

ويضم أيضا بعض المعروضات المختلفة مثل المسدسات والبارود وأحزمة الطلقات والأسلحة المختلفة وبعض الدروع، وتعرض أيضا الأسلحة المختلفة مثل الخناجر والسيوف، وفي إحدى الغرف يوجد سرير الشيخة مهرة وحامل المصحف الذي تعود ملكيته إلى الجد الأول لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي والذي يعود تاريخ حكمه إلى عام 1866، وتضم الغرفة أيضاً حقيبة لحفظ المجوهرات بها غمد السيف الذهبي الذي يتوارثه الحكام، فقد كان الحاكم يتسلم هذا السيف عند بداية فتره حكمه.

الصينية سيلينا ترى في أبراج الحصن شيئا مختلفا من حيث استخداماتها القديمة كوسيلة للتهوية وللمراقبة في آن واحد، كما تبدي إعجابها بطريقة عرض الحصن ومحتوياته أمام الزوار باستخدام تقنيات حديثة تساعد المشاهد على فهم ما يراه، إضافة للمنشورات المصورة كدليل للزائر والخدمات التي يقدمها الموظفون في بهو الاستقبال، والشئ الآخر هو موقع الحصن الذي يجمع بين الحداثة والتراث، فتشعر أنك منغمس في حضارتين متعانقتين رغم الفارق الزمني.

إضاءة

حصن الشارقة.. تحفة تتجلى فيها الهندسة المعمارية القديمة، تم بناؤه عام 1820، ودمر قسم كبير منه في عام 1969، وتم ترميمه في عام 1997، وقد لعب حصن الشارقة دوراً مهما في التطور الاجتماعي والسياسي والعسكري لإمارة الشارقة، ويضم بين جنباته مجموعة من التحف والوثائق التاريخية والعملات القديمة مثل العملة الفضية (ماريا تريزا) التي صكت في إسبانيا عام 1780.

عز الدين الأسواني