تتداول وسائل الإعلام الناطقة باللغة الاسبانية هذه الأيام نبأ يفيد بأن الأرجنتين ستعرض في الثلاثين من شهر يوليو الجاري مشروعا اسبانيا حول الصلات التي تجمع بين أميركا اللاتينية والعالم العربي.
وأن الاختيار وقع على بوينس أيريس لتكون العاصمة الأميركية اللاتينية لانطلاقة هذا المشروع الثقافي الذي يحمل اسم «ذو الملامح العربية» الرامي إلى تقصي الروابط الثقافية والاجتماعية والسياسية بين منطقتين تبدوان في الظاهر متباعدتان كثيرا ، لكن يبدو أن القائمين على هذا المشروع المدهش، الذي يشتمل على معارض وعروض سينمائية وإصدارات وحلقات نقاش، يرون غير ذلك تماما.
مصدر الغرابة في هذا الخبر الذي لم يتوقف عنده الكثيرون ممن يشتغلون في ميدان الثقافة والإعلام العربيين يتفرع إلى شقين، أولهما هو أن المبادرة ولدت عقب مقتل الشاب البرازيلي جان تشارلز دي منيثيس على يد رجال الشرطة البريطانيين بعد الاعتداءات التي ارتكبها شبان مسلمون في لندن في يوليو2005.
يومها اختلط على رجال سكوتلانديار جراء «الملامح العربية» المزعومة التي وجدوها في الشاب البرازيلي البريء، مما دفعهم إلى إطلاق النار عليه وإردائه قتيلا على الفور بحجة أنه ربما كان أحد المشتبه بهم في ارتكاب تلك التفجيرات.
الشق الثاني الذي يدعو ليس إلى الغرابة فحسب وإنما إلى الاستهجان وربما الاستنكار أيضا يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، يذهب إلى العالم العربي نفسه ومؤسساته الإعلامية والثقافية التي يبدو أن الزمن يغافلها دوما بحيث باتت ليس آخر من يعلم فحسب وإنما من لا يعلم أبدا، ذلك أن المبادرة الاسبانية موضوع الحديث لا تمت لا من قريب أو بعيد بأي صلة بين القائمين عليها والمسؤولين في تلك المؤسسات العربية.
حيث تتبادر إلى الذهن العديد من الأسئلة المحيرة بالفعل، أليس منافيا للعقل أن يكون هناك مشروع ثقافي قوامه الملامح العربية من دون وجود أي جهة عربية مشاركة أو راعية لحدث بهذه الأهمية بالنسبة لتقديم صورة الإنسان العربي على حقيقتها في الغرب وليس كما تقدمها وسائل الإعلام الغربية العملاقة في عواصم العالم الكبرى.
كنا نتحدث عن قصور في المبادرات من الجانب العربي في هذا الاتجاه وها نحن أمام مبادرة جاهزة ومعدة على نحو مثالي وتصب مباشرة في خانة تحسين العلاقات العربية مع بقية شعوب العالم عموما، وفي هذه الحالة، مع منطقة شاسعة من العالم هي أميركا اللاتينية التي يتكلم أبناؤها لغة من أكثر اللغات انتشارا في العالم ألا وهي الاسبانية.
كنا نتحدث عن سيطرة الحركة الصهيونية على المفاصل الأساسية في كبريات وسائل الإعلام العالمية، وها هي شعوب الأرض تمنحنا منبرا إعلاميا مجانيا يبدو أن الملحقيات الثقافية في السفارات العربية في العاصمة الأرجنتينية وغيرها تدير الظهر له ولا تعيره ما يستحق من الاهتمام، والخشية كل الخشية أن تكون الملحقية الثقافية في سفارة الدولة العبرية في بوينس أيريس حاضرة في هذه الفعالية، التي يتعين علينا كعرب بذل الغالي والرخيص كي ترى النور وكي يكون لحضورنا فيها حصة الأسد.
كنا نتحدث عن وسائل إعلام عربية هابطة لا تتعامل إلا مع التافه من شؤون المجتمع العربي، وهان نحن أمام غياب فظيع يجلب العار،عار وليد غياب طال أمده لحضور عربي منشود في المحافل الأممية والمنابر الحرة بعيدا عن المتاجرات الإعلامية الرخيصة التي تغزو شاشات التلفزيون في بيوت عائلاتنا وأحبتنا، غياب لا يمكن وصفه إلا بالغريب المشين عندما تكون القضايا المطروحة على طاولة النقاش قضايا عربية بامتياز.
لقد بلغ السيل الزبى وطفح كيل الاستهتار بقضايا الناس في هذه المنطقة من العالم والأدهى من ذلك ينطوي عليه سؤال ساذج يطرح في مراكز القرار التابعة لمكونات النظام الرسمي العربي وهو: لماذا يولد بين ظهرانينا يوميا كل هذا العدد من الممتعضين والمتململين الذين يتحول بعضهم إلى «إرهابيين»؟
سؤال نودعه الوجدان والضمير بعد أن فقدت أهليتها سائر التحليلات الاجتماعية-السياسية الشكلية التي حاولت الإجابة عن ذلك السؤال المحوري، الذي ستتفجر الإجابة السليمة عليه حلولا ناجعة لكل القضايا المستعصية في عالم عربي يتعين عليه المبادرة إلى تقديم نفسه للعالم كما هو عليه وليس كما يريد الغرب رؤيته.