من رائحة البيارات خرج متسربلا عطره الأبدي، عطر الليمون والصباحات الندية، عاش النكبة صغيراً، فبقي جرح عميق لم يمحه الزمن، بل بقي غائرا بالقلب كمساحة فلسطين التي للأسف بدأت تتقلص حتى اصبحت شبه فلسطين. له ثارات كثيرة عند العدو، ولكن اهمها النكبة والاغتصاب.
حيث جردوه من حلم لم يكتمل، ليتبدد على ارض الواقع. واقع الخنوع والاستسلام وبيع القضية. قتلوا حلمه وفرحته عندما حان موعد اجازته بعد غربة ليصل الى مصر، ومن هناك تبدأ النكبة ليقولوا له قف، فما كان لم يعد حاضرا، فكما المعري اسير المحبسين كذلك ضيفنا اسير النكبتين. ولكن حاله كحال غيره من ابناء جيله ومثقفيه اصبحت الغربة جزءا من حياتهم اليومية، حتى ان الكثيرين لم يعودوا وبقوا يدونون اسم فلسطين في عقولهم وكراريسهم ومنشوراتهم فما بقي لهم اسم وجرح ينزف، ولا ادل على ذلك من كلام مريد البرغوثي في روايته «رأيت رام الله» عندما قال: فلسطين اقرب إلي من نجمات شاعر ساذج وابعد من خطوة مشلول ولسان حالهم يقول كما قال شاعرنا الرصافي: ماضرني غير اني اليوم من عرب/ لا يغضبون لأمر ليس يرضيني / تالله ماضاع حقي هكذا أبداً / لو كنت من عجم صهب العثانين
الرحلة إلى الصحراء... اتى الى الخليج العربي مبتعثا ضمن بعثة الكويت، وكانت الكويت اكثر تقدما من باقي دول الخليج علمياً واقتصادياً، وكذلك كانت هناك بعثات مختلفة كالبعثة المصرية والقطرية والبحرينية والسعودية، وقليلة كانت البعثات من سوريا والأردن، وكان الإشراف في الإمارات الشمالية في ذلك الوقت تابع لمكتب الكويت، فهو الذي يشرف على التعليم وعلى الصحة، واشرف فيما بعد على الإعلام ممثلا بتلفزيون الكويت، واذكر انه عندما وصلت انا وزوجتي الى مطار الكويت وعند هبوط سلم الطائرة حيث الشمس ملتهبة تلفح وجوهنا كانت تراودنا فكرة الرجعة على الفور. ترددنا كثيرا في البداية لأن ظروف الحياة كانت مختلفة عما هو موجود في بلادنا، فضلا عن نار الغربة والبعد عن الوطن والأهل والبيئة المغايرة تماما لما عشناه، ولكن بوجود بعض الزملاء وبالأخص من بلادنا بدأنا نتأقلم مع الجو شيئا فشيئا، الى ان حدثت نكبة 1967 واجبرتنا على البقاء.
التعليم في زمن التكوين
عندما اتيت للتعليم في الإمارات كان ينظر إلى المعلم على انه كل شيء، امام في المسجد وخطيب للجمعة.. بل وعملت طبيبا ممارسا وليس فقط تقديم بعض الاستشارات لمن كان يأتي شاكيا من مرض. في ذلك الزمن كانت هناك قلة في عدد المدارس والتلاميذ، وحسب حجم الإمارة تعرف عدد المدارس.
بعض الإمارات بها مدرستان، واحدة للبنين واخرى للبنات، دبي كانت مميزة منذ البداية وبها مجموعة من المدارس، رأس الخيمة مدرسة بكل قرية وفي المدينة 3 مدارس، اثنتان للبنين وواحدة للبنات وهناك حالات لمدارس مشتركة أو مختلطة في بعض القرى، جزيرة أبو موسى مثلا كان التعليم فيها مختلطا، وانوه هنا الى ان بعض المدارس كانت تحوي طالبين فقط، وكانت المناهج تأتي من الكويت، وبعض المدارس الدينية تدرس المناهج السعودية واخرى تدرس مناهج قطر بعد قيام الاتحاد.
ورغم هذه الصعوبات كان الإقبال على التعليم جيدا، وكانت نتائج ابناء الإمارات في الإعدادية والثانوية عالية، ومرد ذلك المعلمون الذين تستقدمهم الكويت، حيث كانوا خيرة المعلمين من ناحية مستواهم العلمي وخبراتهم وكفاءاتهم المهنية، ورغم قلة الإمكانيات كان المعلمون حريصين على تعليم الطلبة، الذين يعدونهم ابناء لهم، يحققون نتائج مبهرة على كافة الصعد وينالون ثقة التربية والطلبة واولياء الأمور..
واذكر انه تأخر طالب مرة عن الدوام فذهبت إلى بيته وطرقت الباب فخرجت والدته وسألتها عنه فأدخلتني البيت واخذته بيدي لتأنيبه. بما يعني ان المعلم في ذلك الوقت كان هو صاحب اليد الطولى والكلمة الأولى والأخيرة.
أسلوب الإدارة
يقول ابو حطب ان اسلوب الإدارة يعتمد على الخبرة والموهبة واساليبها مختلفة، ولكن مدير المدرسة الناجح له خبراته ومواصفاته واساليب تعامله مع الآخرين، وخاصة انه كانت لي خبرة إدارية في بلدي فانتهجت اسلوب الود والتسامح والكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة بين جميع المدرسين وكذلك الطلبة، واخص هنا المدرسين كوننا نعيش اسرة واحدة نتعاون مع بعضنا البعض بشكل غير محدود، خاصة الأمور الإنسانية وكذلك تعاوننا للقيام بالمهمة الأساسية التي اتينا من اجلها وهي التعليم، فلا تهاون بها فأصبحنا قدوة في التعامل ونلنا حب وتقدير ابناء البلد.
العلاقة بالحكام
لن اصعب عليك الأمر فكوني مدير مدرسة كان باب الحاكم مفتوحا لي وللزملاء، لا حرس ولا مظاهر امنية فالكل يعيش في أمان. واذكر زيارة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الى الإمارات الشمالية، يومها اتى لزيارة المدرسة متفقدا الأوضاع فألفت قصيدة وقدمها احد الطلبة، فلما سمعها المغفور له بإذن الله، اعجب بها ايما اعجاب.
وقبل الطالب الذي بدوره اهداه القصيدة مكتوبة فاحتفظ بها في جيبه، كذلك التقيت المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الذي ابهرنا بسعة علمه وتخطيطه لدبي وللحركة العلمية فيها على اساس ان الانسان هو الثروة فكان له ما اراد، وهاهي دبي تحقق اركان المعادلة، التقيت كذلك المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد والذي بدوره لم يأل جهدا في الأخذ بيدنا وتحقيق مطالبنا من ناحية المدارس او التعليم او المناهج، كما التقيت صاحب السمو الشيخ صقر بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم رأس الخيمة أمده الله بالصحة والعافية.
وكان ابا واخا ومسؤولا كريما لا يبخل علينا بطلب من اجل مصلحة العلم والتعليم، ومن اللقاءات التي تشرفت بها ايضا لقائي صاحب السمو حاكم الشارقة الذي يسكنه العلم منذ صغره فهو متابع، ولا تمر صغيرة اوكبيرة في العلم والتعليم إلا وقد تابعها واوجد لها الحلول، ان الاهتمام بالتعليم كما اسلفنا نابع من اهتمام وحرص الحكام على النهوض بهذا الجانب ايمانا منهم ان الدول تقوم بعلمها ورجالها فكان لهم ما أرادوا.
التعليم في ظل الاتحاد
بقيام الاتحاد انطلق التعليم انطلاقة قوية، حيث بنيت المدارس الجديدة والحديثة وزاد عدد الطلبة والمدرسين بسبب عودة المواطنين الى الدولة بعد ان كانوا يعملون ويتعلمون في الخارج. كذلك زاد اقبال الناس من مختلف جنسياتهم على الإمارات، والحقيقة كانت تلك البداية بمثابة طفرة وتطوير كبير لكل النواحي، خاصة التعليم من مدارس وادارات ومعلمين ومعلمات ومناهج، حيث بدأ اعداد المناهج الوطنية التي تنطلق من عادات وتقاليد هذا البلد، وترسم ملامح وحدته وتقدمه ونهجه.
رد الجميل
احمل للإمارات الكثير في خاطري شعبا وحكاما، وهي الآن بلدي الكبير واتشرف بمنحي جنسيتها التي اعتبرها تاجا على رأسي وتربطني بها وبأبنائها الكثير من العواطف الجياشة، خاصة وان كل طلابي ان لم يكن معظمهم يشغلون المناصب الكبيرة والحساسة، ولا يترددون في زيارتي والسؤال عني. واذكر ان ابني البكر سامي تصادف لقاؤه مع معالي محمد القرقاوي فبادره معاليه بالسؤال عني والاطمئنان على صحتي وانه لا يزال يعتبر نفسه طالبا في مدرسة الحياة، كذلك من طلابي محمد بن دلموك واحمد بن دلموك وخليفة بخيت الفلاسي ومحمد بن صقر القاسمي وخالد جمعة الماجد ومحمد عبدالله الركن والدكتور علي جواد والدكتور حسين شعبان وهيثم الدبل وعلي كلداري ومنصور العوضي وللصدق القائمة طويلة فليعذروني.
إضاءة
محمد أحمد حسن أبو حطب مواليد 1937، قرية القبيبة، قضاء الرملة بفلسطين. أتمم الدراسة الابتدائية والثانوية في خانيونس بقطاع غزة، وبعد الدراسة الجامعية التي أنهاها في القاهرة عمل مدرساً مع مكتب الكويت سنتين من 1966ـ 1968، ثم رقي مديراً من 19681971، ومنذ 1971 الى 1975 عمل مديراً في دولة الإمارات ثم رقي موجهاً تربوياً العام 1975حتى سنة 1997.
حيث أحيل إلى التقاعد. شارك في بعض المؤتمرات والندوات مثل ندوة أساليب تدريس اللغة العربية في مرحلة التعليم الأساسي على المستوى العربي العام 1994 بإشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم في الدولة.
عبد المنعم الشديدي