معظم من يتربعون على عروش المال والأعمال، يجدون لذتهم في تكديس الثروة ولسان حالهم يقول «هل من مزيد». وبالطبع لايغيب عن ميزانيتهم بند أعمال الخير، لزوم الدعاية والأبهة والتفاخر بين الناس، ليظهر الواحد منهم أنه وان كان امبراطورا في عالم المال، إلا أنه أيضا «فاعل خير» رغم أن خيره لايسمن ولايغني من جوع.
وفي عصرنا الراهن، عصر العولمة التي تنهش في لحم الفقراء، قد لايصدق أحد أن مليارديرا هجر ثروته للتفرغ للمشروعات الخيرية.
ولكن فعلها المليارديرالأميركي بيل غيتس الذي احتفظ لسنوات عديدة بلقب أغنى أغنياء العالم. ضحى بعرش امبراطوريته الضخمة التي يتوالد فيها المال على مدى أربع وعشرين ساعة يوميا وجلبت له ثروة تقترب من 60 مليار دولار. وقرر أن يتفرغ لفعل الخير الذي بات من الأفعال النادرة وسط الوحوش والكروش المتخمة بثروات، والتي لو خصصت نسبة من أرباحها الطائلة لأطعمت بطون الجياع في أرجاء الأرض.
غيتس.. حالة الخير النادرة بين صفوف المليارديرات.. لوكان قد جمع ماله بالحيل غير القانونية او ب«الفهلوة» غير المشروعة، لقال قائل انه يريد أن يتطهر بفعل الخيرات.
ولكن الرجل الذي لم يصل الى منتصف الخمسينات من العمر، جمع ماله بشرف ونزاهة. بل من فرط نجاحه كصاحب أكبر شركة لصناعة البرمجيات في العالم وهي «مايكروسوفت»، اتهموه في بلده وفي أوروبا بممارسة الاحتكار، مع أنه لايجد له ندا في توفير أنظمة تشغيل أجهزة الكمبيوترالتي برع فيها وأشهرها «الويندوز».
ويكفي القول ان من يملك جهاز كمبيوتر، يختار أن يضيف لتشغيله برنامج «ويندوز». غيتس بدأ من الصفر واستطاع كما يقول مدونو سيرته الذاتية، أن يتبصر المستقبل ويبني مسيرة حياته على ما كان يراه. ولذلك لم يكمل دراسته الجامعية، ففي عام 1975 ترك الدراسة في جامعة هارفارد لكي يؤسس مايكروسوفت بعد أن نجح في بيع أول برنامج لتشغيل واحد من أوائل أجهزة الكمبيوتر الشخصية في العالم. وفي عام 1980وقعت شركته عقدا لتوريد نظام التشغيل إم إس دوس لأجهزة الكمبيوتر التي تنتجها شركة آي بي إم مع الاحتفاظ بحقها في بيع تراخيص استخدام هذا النظام لشركات إنتاج أجهزة كمبيوتر أخرى.
وقد جعلت هذه الصفقة من مايكروسوفت أكبر مطور لبرمجيات الكمبيوتر في العالم. اذ طرحت أول إصدار من برنامج معالجة النصوص «وورد» الذي تحول إلى حزمة البرمجيات المكتبية «أوفيس».
وطُرحت أسهم مايكروسوفت في البورصة للمرة الأولى عام 1986 وأصبح غيتس بعدها أصغر ملياردير يصنع نفسه بنفسه، لم يكن عمره يتجاوز 31 عاما. ثم صارت شركته هي التي تسيطرعلى أنظمة تشغيل أجهزة الكمبيوتر في العالم من خلال نظام « ويندوز» الذي يشغل حوالي 95% من هذه الأجهزة.
وبذلك تمكن غيتس، الذي كان يحلم بوجود كمبيوتر على كل مكتب في كل منزل، من تكوين ثروة ضخمة بلغت حتى العام الماضي 57 مليار دولار. واذا كانت حجة خصومه في السوق الذين لم يبلغوا مكانته، أن غيتس استخدم سياسة الغاية تبرر الوسيلة للوصول الى العالمية بالقضاء على منافسيه، فإن المقربين منه يؤكدون أنه كان ينطلق في طموحاته من رؤيته الأصلية وهي تحويل جهاز الكمبيوتر إلى وسيلة تتيح للأفراد والشركات الاستفادة من إمكانياتهم بأقصى قدر ممكن.
كان صعبا على غيتس أن يتخذ قراره بالتفرغ لإدارة مؤسسته الخيرية التي تحمل اسمه واسم زوجته وتعد أكبر جمعية خيرية في العالم وتمول بشكل أساسي من ثروته الهائلة. ولكنه على قناعة بأنه اختار الطريق الصحيح.
إضاءة
في عام 1969، قررت أمهات تلاميذ المدرسة التي تعلم فيها غيتس تنظيم مزاد خيري لشراء كمبيوتر لتدريب الطلبة عليها. وكان جهاز الكمبيوتر يشغل مساحة حجرة كبيرة. وقتها، تمكن غيتس من تطوير أول برنامج تشغيل، معتمدا على هذا الجهاز، وكان البرنامج عبارة عن لعبة «السيغا».
وعندما توقف الكمبيوتر الرئيسي الذي اشترته الأمهات، قام غيتس وأربعة من زملائه بعملية اختراق لجهاز كمبيوتر رئيسي آخر، فبهر الشركة المصنعة للكمبيوتر، وقررت الاستفادة منه لموهبته في اكتشاف الثغرات في الأجهزة. وكانت تلك بدايته في عالم البرمجيات.