أزمة الغذاء وندرة المياه والصراعات الإقليمية والديمقراطية والتنمية الاقتصادية والأزمة السياسية في زيمبابوي كانت أبرز المحاور التي فرضت نفسها على أجندة مؤتمر القمة الإفريقية الأخيرة بمنتجع شرم الشيخ المصري والذي جاء وسط مجموعة من الاستقطابات الدولية والتجاذبات الإقليمية والخلافات القارية.
وللتعرف على ابعاد ونتائج تلك القمة وما خرجت به من قرارات، التقت «البيان» مع استاذ وخبير الشؤون الإفريقية والعميد السابق لمعهد الدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة الدكتور إبراهيم نصر الدين الذي أكد أن القمة التي أقيمت تحت عنوان «تحقيق أهداف التنمية للألفية الجديدة في قطاعي المياه والصرف الصحي».
ورغم أن الهدف الرئيسي المعلن لها هو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في القارة السمراء والعمل على الاستفادة من خيرات القارة المسلوبة وأن يكون خير القارة لمواطنيها، إلا أنها وكعادة اجتماعات القمم الإفريقية المختلفة سيطرت الأوضاع السياسية والخلافات والصراعات على مناقشات القمة وهيمنت حالة الجدل والتجاذبات والأيديولوجيات على نقاشاتها وهو ما أثر بشكل كبير على أجندتها. ونستطيع إجمالا أن نتحدث ونرصد النجاحات التي حققتها القمة وكذلك الإخفاقات التي سيطرت عليها على النحو التالي:
أزمة موغابي، وبيوت الزجاج: فرضت أزمة زيمبابوي، خاصة بسبب مشاركة رئيسها صاحب المشكلة الأساسية «روبرت موغابي»، نفسها على القمة خاصة في ظل التحرشات التي تمت من جانب الصحافة العالمية ومراسليها بالقمة بالرئيس موغابي، فالقمة التي جاءت بعد يومين فقط من فوزه بالانتخابات التي وصفت بالمهزلة، وجاء تأكيد القمة على أن ما حدث في زيمبابوي هو شأن داخلي والاكتفاء بتأييدهم الدعوة لتشكيل حكومة وحدة وطنية ودعم مبادرة مجموعة تنمية دول الجنوب الإفريقي «سادك» حيث أوصوا باستمرار جهود وساطة المجموعة ودعوها إلى إنشاء آلية على الأرض لإعطاء الدفعة لحل قائم على التفاوض..
ليضع الكثير من علامات الاستفهام حول آلية القمة الإفريقية وعدم قدرتها على التصدي للمشاكل الداخلية وأن هذا يأتي إدراكا من القمة الإفريقية أنها بمناقشة الأزمة في زيمبابوي مناقشة جادة وحاسمة سيفتح عليها الكثير من أبواب جهنم خاصة وأن الغالبية العظمى من الأنظمة الإفريقية تعاني مما يعاني منه النظام في زيمبابوي..
الصراعات الإفريقية: واصلت القمة الإفريقية فشلها في حل الصراعات الإفريقية رغم أنها تبذل جهودا أكثر مما تبذلها آلية مماثلة كجامعة الدول العربية، إلا أن هذا النجاح مجرد نجاح رمزي يقترب للفشل أكثر من النجاح ولايمكن أن يعتبر نجاحا للآلية الإفريقية وهذا ما اتضح في الصراع بين كل من إريتريا وجيبوتي.
حيث اكتفى القادة الأفارقة بمناقشة تقرير لمجلس الأمن والسلم الإفريقي الذي عبر عن إنزعاج المجلس العميق بسبب الوضع السائد على الحدود بين الدولتين، ومطالبته بالانسحاب الفوري لجميع القوات المتمركزة على الحدود منذ الرابع من فبراير الماضي دون الدخول في أية تفصيلات أو المطالبة بترتيبات محددة وواضحة تضمن السيطرة على الموقف، وعدم تفاقمه أو تحديد أسباب المشكلة والخلاف بين البلدين وآلية الحل درءا لتفاقم أزمة جديدة في القارة التي لاتنقصها الأزمات والصراعات.
الأمر الأكثر غرابة أن القمة الإفريقية لم تحمل نفسها عناء مناقشة قضية مهمة وخطيرة مثل قضية الصراع في دارفور، خاصة وأن هذا الصراع تحول في أوقات كثيرة من صراع قبائلي بين القبائل العربية والإفريقية في إقليم دارفور السوداني إلى صراع بين السودان وتشاد وتبادل الاتهامات، بل والعمليات العسكرية، وهو ما ينذر بامتداد الصراع وتفاقمه وتطوره بين البلدين. واكتفت القمة بإقرار تقرير مجلس الأمن والسلم الإفريقي لما يحدث في دارفور.
أما على صعيد الوضع في الصومال. فقد اكتفت القمة ببحث جميع الفصائل الصومالية على الانضمام للعملية السياسية، ومناشدة المجتمع الدولي لمساعدة الصومال على تخطي أزمته. وأعربت عن ارتياحها للتقدم المحرز في تعزيز العملية السياسية الشاملة في الصومال، مع الإشارة إلى الاتفاق بين الحكومة الاتحادية والتحالف من أجل إعادة تحرير الصومال. وكأن الأزمة الصومالية كانت تنتظر هذه المطالبات لتسارع بالحل وتقضي على سنوات الصراع والاقتتال الداخلي.
أزمة الغذاء العالمي: يحسب للقمة الإفريقية أنها أدركت حجم المأساة التي تتربص بمستقبل القارة والعالم ككل، وتهدد بالمزيد من المجاعات والعودة من جديد الى المعاناة التي تعانيها القارة، وبشكل أكثر درامية بعد تفشي المجاعات والتعرض لأزمة طاحنة في الغذاء لن ينجو منها أحد إذا لم يتم اعادة ترتيب البيت الإفريقي واعادة صياغة جديدة لاستراتيجية الغذاء في القارة السمراء.
وقد فرضت هذه الأزمة نفسها بقوة على البيان الختامي للقمة ومن قبلها على مناقشات القادة الأفارقة لما لها من أولوية قصوى وخطورة تهدد الاستقرار والتنمية في القارة، وتزيد من أوجاعها وآلامها، وأهمية اتخاذ تدابير لتقليل تلك الأعباء وعدم السماح بانفلات الأوضاع أكثر وأكثر، خاصة بعد أن أكدت التقارير الدولية انخفاض المخزون العالمي للقمح إلى أدنى مستوى له منذ 30 عاما.
ويزيد من حدة الأزمة وجود 30 مليون شخص يواجهون خطر المجاعة بسبب ارتفاع الأسعار ووجود نقص حاد في السلع الأساسية وخاصة القمح وهو ما يستلزم ضرورة زيادة الإنتاج والإنتاجية.
التنمية والمياه والصرف الصحي: عقدت القمة الإفريقية تحت عنوان «تحقيق أهداف التنمية للألفية الجديدة في قطاعي المياه والصرف الصحي». وقد استعرض القادة في اجتماعهم تقريرا أعده فريق معني بتحفيز عملية تطبيق أهداف التنمية للألفية الجديدة والذي أرسى مجموعة من الاستراتيجيات والخطوات العملية والبرامج من أجل تحقيق أهداف التنمية التي أقرتها الأمم المتحدة.
وتأتي أهمية هذا الموضوع بعد أن أصبح في حكم المؤكد أن الحروب المستقبلية ستكون حروبا على المياه وليس على أي شيء آخر. ويعد أهم وابرز الأنهار في القارة السمراء هو نهر النيل والذي تستفيد منه 9 دول يبلغ عدد سكانها 150 مليون نسمة، وهناك توقعات بتضاعف هذا العدد عام 2050 ليصل إلى 340 مليون نسمة، وهو ما يهدد العلاقات بين دوله، بل وأدى إلى نشوب الكثير من الخلافات التي يتم السيطرة عليها، إلا أن السيطرة على تلك الخلافات لن تستمر طويلا، خاصة مع تفاقم الأزمة، نفس الشيء يتم في نهر «الكيتو» الذي يمر في دول أنغولا وبتسوانا وناميبيا، ويعتبر المصدر الأساسي للقلاقل بين دوله، إلا أن القمة الإفريقية للأسف لم تضع استراتيجيات محددة ومعلومة الجوانب للسيطرة على هذه الأوضاع وضمان تعظيم الاستفادة من المياه المتاحة وإيجاد بدائل لها على المدى الطويل.
التعاون العربي الإفريقي: كان من أبرز الموضوعات الملفتة للانتباه في اجتماعات القمة الإفريقية في شرم الشيخ مؤخرا الحرص على دعم وإحياء التعاون العربي الإفريقي وإعطائه الزخم المطلوب والمناسب وهو ما دفع القادة الأفارقة إلى الموافقة على إنشاء «المنتدى الإفريقي العربي للتنمية، للتأكيد على إدراك القادة الأفارقة لحجم المخاطر التي تتهدد الجانبين العربي والإفريقي، وتقارب مصالح الطرفين وقدرتهما على التنسيق والتفاعل أكثر من أي طرف آخر.
سباعي إبراهيم