في ظل حالة الهبوط الإعلامية التي تجتاح وسائل الإعلام حول العالم عموما، والعالم العربي على وجه الخصوص، يبدو من الصعوبة بمكان إن لم يكن من المستحيل، الحديث عن برامج أو توجهات أو مبادرات ثقافية جادة تسعى إلى الارتقاء بوعي الإنسان إلى مستوياته الطبيعية، وتخليصه من براثن الأبواق المغرضة، والأدوات الإعلامية العفنة ذات اللون الواحد والوجهة الواحدة.
نظرة سريعة على المعروض والمتاح أمام الناس من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، الخليعة منها والمتشددة على حد سواء، تقودنا إلى استنتاج واضح المعالم يفيد بأن هناك محاولة هابطة تجري على قدم وساق، باتجاه هدم عقل الإنسان أو حرف وجهته الطبيعية السليمة عن مسارها الطبيعي، وإغراقه بالتافه من الاهتمامات والرغبات ومحاصرته في مستنقع الاستهلاك الفتاك حتى لا تقوم له قائمة في يوم من الأيام ، وتعترض سبيل توجهات أصحاب الياقات البيضاء والضمائر الميتة في جهات الأرض الأربع.
تلك المحاولة تقودها وتشرف عليها و تمولها مراكز احتكارية عالمية باتت معروفة ، بعد أن فاحت رائحتها ،وأثارت الكثير من الفضائح المروعة من حولها ، وتكدست الأموال في خزائنها بصورة فلكية، في حين يئن نحو مليار إنسان تحت وطأة جوع مريع لا يرحم ، بعد أن تقدمت أولوية تغذية الآلات والسيارات على ضرورة توفير الغذاء لفقراء العالم وانتشالهم ولو جزئيا من بؤسهم الذي طال أمده .
تلك المحاولة تتجسد في تمرير رسالة شديدة اللهجة والوطأة معا تقول إننا ندرك أنك تدرك بدورك ( الحديث هنا موجه إلى المتلقي) ، أننا لا نقدم لك شيئا جديا مفيدا وأن جل ما نقترحه أو نفرضه عليك تافه بامتياز ومنحط ووضيع بلا أدنى شك ، ومع ذلك فإنك تتلقفه وتستهلكه بنهم وعن طيب خاطر، الأمر الذي لا يعني تهميشك وإقصائك، ووضع عقلك على الرف أو رميه في اقرب سلة مهملات فحسب، وإنما إلغاء هذه الملكة تماما إن شئت أيضا.
مؤسستا التلفزيون والسينما، على سبيل المثال، سلاحان ذو حدين مثلهما في ذلك مثل سائر منتجات الثورة التقنية الرقمية الحديثة التي تجتاح العالم بلا هوادة، حد بناء وآخر هدام، حد صديق للإنسان وآخر عدو له.
وما يرجح كفة هذا الحد على ذاك ، ما هو إلا عنصر القوة والقوة وحدها التي لا تعرف إلى القيم الإنسانية النبيلة سبيلا ولا ترحم ضعيفا أو مسكينا، بحيث أن الحديث لا يدور في هذا السياق حول سلب الناس لقمة عيشهم فحسب ، وإنما مصادرة حريتهم في الاختيار والتفكير وصولا حتى إلى حرمانهم من حقهم الطبيعي في امتلاك شعور وطني اتجاه قضاياهم الوطنية. فهذا الشعور بات من منظور المؤسسة الإعلامية الاحتكارية حكرا على الشعوب والأمم الغنية والقوية أو حتى على قلة قليلة منها فقط.
وإلا ما معنى اقتصار عروض الأفلام والمسلسلات والبرامج في الغالبية الساحقة من قنوات التلفزيون ودور السينما العربية على إنتاج هوليود الأميركي السطحي والهابط وذو الصبغة الوطنية الأميركية المحلية؟ ولماذا كل هذا الإصرار الوقح على التهرب من عرض ما تنتجه مؤسسات تلفزيونية وسينمائية تنتمي إلى بلدان وثقافات غنية أخرى منتشرة حول العالم مع أنها تصنف في خانة الأعمال الجدية والمفيدة والراقية ، وتتناول موضوعات تلامس عقل الإنسان وتدغدغ مقدرته على التفكير السليم.
قد يقول قائل إن تلك المحاولة تندرج في إطار ظاهرة الغزو الثقافي المعتادة، التي تعد أشد وطأة من الغزو العسكري نفسه، وهذا صحيح، لكن مع إضافة بعض الخصائص المميزة التي لا سابقة لها، إذ أن مسألة استلاب العقل تعدت كل الحدود المتخيلة بعد أن تحولت القضايا الداخلية في الولايات المتحدة، مثل الضرائب والانتخابات والإجهاض والشذوذ الجنسي فضلا عن الانتخابات بكل مستوياتها، إلى قضايا مطروحة على طاولة البحث والنقاش في أي بقعة من بقاع العالم العربي، في حين تنحى جانبا وتطمس عن سابق إصرار وتصميم قضايا حيوية عديدة تصب بصورة مباشرة في خانة مصالح الناس واهتماماتهم.
وتعكس تطلعاتهم وآلامهم وتعبر عن احتياجات بالكاد، ترقى إلى مستوى الوصف بأنها من أبرز الاحتياجات الأساسية على المستوى المادي، كما على الصعيد المعنوي، سواء تعلق الأمر بتأمين لقمة العيش أو تأمين مكانة تليق بالإنسان وتحفظ كرامته وحريته وتصون عرضه وأرضه.