إلى تايوان وصلت أول طائرة من الصين ، هذه الرحلة تعد الأولى منذ نحو ستين عاما، أي منذ انفصال تايوان عن الصين (الوطن الأم).
هذه الخطوة الصينية التايوانية ماكان لها أن تتم الابموافقة الولايات المتحدة . وليس من الصعب ملاحظة التزامن بين التقارب الصيني التايواني وبين موقف الصين من عدة ملفات دولية ، يبدو أن بكين قدمت فيها تنازلات من أجل تايوان.
أول هذه ه الملفات، المرونة التي أبدتها كوريا الشمالية في التخلي جزئيا عن برنامجها النووي. وهذه المرونة ما كانت تتم إلا بموافقة من الصين. فمنذ بداية الأزمة لعبت بكين جيدا بالورقة الكورية ضد الولايات المتحدة ، هي حينا تلعب دور الوسيط بين واشنطن وبيونج يانج ، وفي أغلب الأحيان تلعب دور المحرض للثانية.
الصين هي من أمدت كوريا الشمالية بالتقنيات النووية.
كما أمدتها بتقنيات صناعة الصواريخ ، وصنعت منها رقما دوليا في سوق السلاح. واستطاعت على مدى سنوات توظيف بيونج يانج للنيل من هيبة واشنطن دوليا . ومع الوقت أدركت الولايات المتحدة أن مفتاح كوريا موجود لدى الصين ، مثلما أن مفتاح تايوان موجود لديها ، ومن هنا كانت الصفقة الكبرى كوريا النووية مقابل تايوان الصينية.
ومن يراقب مستقبل العلاقات الصينية التايوانية ، عليه أيضا أن يراقب أيضا تطور المفاوضات الأميركية الكورية بشأن النووي، فأي تململ تايواني سينعكس على واشنطن وبيونج يانج ، وكذلك سينعكس أي تململ كوري على الصين وتايوان.
وثاني الملفات هو النووي الايراني ، فتايوان ليست العامل الوحيد الذي يحكم العلاقات الصينية الأميركية الآن من وجهة مصالح واشنطن، وان كانت لها الأولوية لدى الصين . فالملاحظ وجود صمت صيني ازاء التصعيد الأميركي الأوروبي ضد ايران هذه المرة ، وهو مايشير الى ان النووي الايراني مشمول بالصفقة .
ويبدو ان الأجواء الدولية الجديدة لا تشمل الصين وحدها ، بل تشمل روسيا أيضا ، في إطار تفاهمات أوسع . فالشراكة الأوروبية الروسية ، التي تمت يوم الجمعة قبل الماضية ، من غير المستبعد أن تكون مشمولة بملفات أوسع . إذ لم يكن لأوروبا ان تقدم على هذه الخطوة إلا في ظل موافقة أميركية .
وهكذا تبدو إيران - هذه المرة - في معزل عن حماية الأصدقاء التقليديين على الساحة الدولية . مايعني أن المسرح يعد لمزيد من التضييق عليها . وليس بالضرورة ان يكون من أجل عمل عسكري مباشر . فما يتم هدفه عزل طهران لتقف وحيدة ، ومن ثم عليها الاذعان للمطالب الأميركية الاوروبية . وأول هذه المطالب - على وجه الخصوص - وقف التخصيب والقبول بالمقترحات الغربية ، ومنها المقترح الخاص بانشاء شراكة في روسيا لتزويد ايران باليورانيوم. وهذا الاقتراح يلقى هوى روسيا وقبولا أميركيا .
ولعل هذا المناخ الدولي يفسر ارتفاع شدة التوتر الإيراني- حاليا - أمام الضغوط الأميركية الأوروبية ، بل ومسارعة طهران إلى الرد- يوم الجمعة الماضية -على حزمة الحوافز والعقوبات الغربية.
المؤسف أن هذه التطورات الدولية تتم بمعزل عن العرب ، رغم أنها تحدث في منطقتهم وعلى حسابهم. فمثلا ما جرى مؤخرا في السودان من تدخل أميركي في أبيي ، كان أيضا تنازلا صينيا لأميركا في السودان .
ان هذه الصفقات يجب ان توقظنا بعنف ، حتى لانظل رقعة شطرنج للقوى الكبرى أو مجرد شواطيء متوسطية تغرقها أمواج اوروبا العاتية. تلك الأمواج التي ستشغل العرب- اعتبارا من هذا الشهر - بملفات تنال من استقرارهم. ومن ذلك الملف النووي الايراني .
والتكتل ضد حركات المقاومة العربية ، والانفتاح على إسرائيل سرا وعلانية ، بل وتذويب العرب سياسيا واقتصاديا في شرق أوسطية أميركية ذات سمت أوروبي، بديلا عن العمل العربي المشترك . إنها صفقة خاسرة مقدما، تاخذ من العرب أكثر مما تعطيهم.