اليوم يحتفل الشعب الأميركي بمرور 232 عاما على اعلان استقلاله. والأصح أن نقول انه احتفال الأبناء بذكرى ثورة أجدادهم المهاجرين الأوائل الذين كانوا يحملون صفة مستعمرين ـ ـ فقد هاجروا من أوروبا ليستوطنوا الأراضي الأميركية، أو أرض الأحلام كما تطلق عليها الأجيال التي أتت الى هناك فيما بعد.

هؤلاء ثاروا على مستعمر، وهم في معظمهم ينتسبون اليه، ألا وهو الاستعمار البريطاني. فالمستوطنون معظمهم وفدوا من بلاد الانجليز، واستوطنوا أرضا شاسعة تمتد من غرب المحيط الأطلسي حتى شرق المحيط الهادئ. هذه الأرض.. هي في الأصل أرض الهنود الحمر التي اغتصبت على يد هؤلاء البيض النازحين من أوروبا. بداية قصة الاستقلال.. تشير الى أن 13 مستعمرة تقع على الساحل الشرقي الأميركي، استوطنها هؤلاء المهاجرون، كانت تخضع للاحتلال البريطاني، ثم رفضوا أن يستمر هذا الاحتلال متسلطا عليهم ويدير شؤونهم. فقد اتبعت سلطات الاحتلال سياسة تجارية احتكارية مع المستوطنين لترويج سلعهم وبضائعهم.

وفرضت عليهم قوانين وضرائب باهظة أثقلت كاهلهم مما دفعهم الى رفض سدادها. وانطلقت الشرارة والثورة قبل عشر سنوات من إعلان الاستقلال، عندما أرسلت بريطانيا قواتها إلى منطقتي بوسطن ونيويورك، وارتكبت مذبحة ضد السكان، عرفت لمذبحة بوسطن. وجاء رد المستوطنين الأميركيون بإتلاف شحنة بحرية من الشاي وأطلقوا على فعلتهم «بوسطن تي بارتي»، وقاطعوا البضائع الإنجليزية. وعلى الفور أغلقت سلطات الاحتلال البريطاني ميناء بوسطن واتسعت سلطات الحاكم البريطاني الذي أجبر المستعمرين على إيواء وإطعام البريطانيين.

كان المستعمرون من خلال زعيمهم جورج واشنطن ـ الذي استعان بفرنسا لطرد الإنجليز من كورنوليز في مدينة يورك ـ قد قرروا تنظيم صفوفهم بتشكيل ما سمي المجلس القاري الأول في فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا والذي ضم 13 مستعمرة. حدث ذلك قبل أقل من عامين من اعلان الاستقلال. فقد اجتمع مندوبون من جميع المستعمرات وعقدوا هذا المؤتمر في سبتمبر 1674. واتفقوا من خلاله على ضرورة توفير قدر أكبر الحكم الذاتي.

كما اتفقوا على أن تمتنع المستعمرات عن التعامل التجاري مع بريطانيا. وفي ظل العناد والتعسف البريطاني، عقد المؤتمر القاري الثاني في 10 مايو عام 1775، بحضور مندوبي المستعمرات في فيلادلفيا أيضا. وكان القتال قد اندلع بين سكان مستعمرة ماساشوسيتس والقوات البريطانية.

وشهد صيف 1676، إصرارا من جانب الثوار على إعلان الاستقلال. ففي 7 يونيو تقدم أحد رموز الثورة ويدعى ريتشارد هِنْرِي لِي بمشروع قرار إلى الكونغرس، يدعو من خلاله الى أن تكون المستعمرات المتحدة ولايات حرة مستقلة؟ وفي 10 يونيو، تم التصويت على صياغة مسودة إعلان الاستقلال، وطلب الكونغرس من الزعيم الأميركي توماس جيفرسون أَن يصوغ مسودة الإعلان.

وجيفرسون هو الرئيس الثالث في تاريخ الولايات المتحدة وعُرف بفصاحته، ولكنه لم يكن خطيباً جماهيرياً بل كان يغلب عليه الصمت، وبسبب فصاحته تخصص في الكتابة وصياغة مطالب الثورة وكتابة وثيقة الاستقلال. (وكان تقلد بعد اختيار واشنطن رئيسا منصباً وزارياً في الإدارة الأميركية).

وفي 4 يوليو، وافق الكونغرس على المسودة النهائية لإعلان الاستقلال. وبعد إعلان الاستقلال، بدأت الحرب الفعلية بين القوات الأميركية والبريطانية. وهي التي عرفت بحرب الاستقلال التي أثمرت عن إلحاق الهزيمة ببريطانيا في معركة يوركتاون عام 1781.

وبعد عامين وقع الجانبان في 3 سبتمبر 1783 معاهدة باريس التي تعترف باستقلال أميركا عن بريطانيا. بعدها اتجه الأميركيون إلى بناء الولايات المتحدة كدولة مستقلة لها سيادتها الكاملة على أراضيها ولها دستورها الذي تمت الموافقة عليه عام 1788.

وصار جورج واشنطن الذي قاد حرب الاستقلال أول رئيس للولايات المتحدة. وأدى أول قسم دستوري في تاريخ أميركا في شرفة مبنى مجلس الشيوخ يوم 30 أبريل 1789 ليحكم أميركا لفترتين متتاليتين من 1789 ـ1797.

والأميركيون يحتفلون اليوم بعيد استقلالهم وهم يتفاخرون بما أنجزوه على يد أجدادهم المستعمرين المهاجرين الوافدين من أوروبا وعلى رأسهم جورج واشنطن التي صارت العاصمة الأميركية باسمه تخليدا لذكراه. يعتزون بنضالهم من أجل الحرية والاستقلال.

ولكن حكامهم في الإدارة الأميركية والبيت الأبيض يستكثرون على الشعوب الأخرى حقها في السيادة على أراضيها. فبعد أن بنوا بلدهم المتسع المساحة والأشبه بقارة، اتجهوا الى توسيع دائرة مصالحهم خارج الحدود. وكشفوا عن أطماعهم في ثروات الآخرين منذ نهاية القرن التاسع عشر. خير مثال على ذلك هو استيلاؤهم على الفلبين.

والإشارة هنا الى الفلبين، لأنه من المفارقات التاريخية أن الرابع من يوليو لا يوافق فقط ذكرى استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا، بل انه أيضا اليوم الذى تحيي فيه الفلبين ذكرى تحررها من الاحتلال الأميركي! ففي مثل هذا اليوم استرد الشعب الفلبيني حريته وتخلص من الحكم الأميركي عام 1946 بعد أكثر من 381 سنة ظل خلالها يئن من أشكال الاستعمار الأجنبي، وكان آخرها الاستعمار الأميركي.

إضاءة

في 11 فبراير من كل عام، تحتفل الولايات المتحدة بذكرى مولد جورج واشنطن أول رئيس أميركي، ولد عام 1732، وكان قائداً ناجحاً لما عرف بجيش المستعمرات، وذلك أثناء حروب الثورة الأميركية. تم انتخابه مرتين لمقعد الرئاسة عامي 1789 و1797.

من أهم القرارات التي اتخذها هو تنازله عن الرئاسة لنائبه جون آدامز، ووصفه ملك إنجلترا المهزوم جورج الثالث بأنه أعظم شخصية في التاريخ، وحذا الرؤساء الأميركيون ـ الذين تلوه ـ حذوه، حيث لم تزد فترة رئاستهم عن مدتين، بخلاف الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت الذي تم انتخابه أربع مرات، ثم جاء التعديل الدستوري رقم 22 الذي حدد مدة بقاء الرئيس الأميركي الواحد بفترتين رئاسيتين فقط. ويجيء ترتيب جورج واشنطن في المرتبة السادسة والعشرين في كتاب ما يكل هارت «أعظم مئة شخصية في التاريخ».

حسن صابر