شكل قرار الاتحاد الأوروبي الأخير القاضي برفع العقوبات المفروضة على كوبا بمبادرة من اسبانيا محنة جدية بالنسبة للدبلوماسية الأميركية، التي حاولت جاهدة الحيلولة دون اتخاذه معتمدة في ذلك على حلفائها في أوروبا الشرقية، في حين يرى العديد من المحللين أن الأمر يتعلق بفشل ذريع لهذه الدبلوماسية التي بذلت كل ما في وسعها وفعلت كل ما هو ممكن عن طريق الضغط على بلدان من أوروبا الشرقية على غرار جمهورية التشيك وبولونيا بغية تحقيق نتيجة معاكسة.

هذا التطور الدراماتيكي، الذي أحدث اهتزازا طفيفا في العلاقات بين قطبي طرفي الأطلسي، دفع وزارة الخارجية الأميركية إلى مراجعة موقفها إثر قرار الاتحاد الأوروبي برفع تلك العقوبات المتخذة بعد اعتقال 75 من المنشقين الكوبيين في عام 2003، عندما كان رئيس الوزراء الإسباني المحافظ خوسيه ماريا أزنار لا يزال على رأس منصبه، والمعلقة منذ عام 2005 بعد عام واحد على وصول الاشتراكي خوسيه لويس رودريغيز ثاباتيرو إلى سدة الحكم في اسبانيا.

في تصريحات له سبقت القرار، كان توم كيسي معاون الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأميركية قد أعرب بوضوح عن رفضه لذلك القرار بالقول: آمل أن يحول جميع أصدقائنا حول العالم دون اتخاذ إجراءات قد تبدو أنها تمنح الشرعية للنظام الديكتاتوري في كوبا.

لكن بعد أن تأكد قرار الاتحاد الأوروبي قدم شون مكورماك رواية مغايرة تماما حين قال إن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يتقاسمان أهدافا مشتركة في كوبا، وذلك في الوقت الذي كشف فيه المسؤول الأوروبي عن المراجعات السنوية التي قرر الاتحاد الأوروبي القيام بها فيما يتعلق بحقوق الإنسان في جزيرة الكاريبي.

بينما ترى ماريفيلي بيريز ستيبل نائبة رئيس مركز الأبحاث «ديالوغو إنترأيركانو» ـ الاسم يعني الحوار بين الأميركيتين ـ ان الإدانة القاطعة لكوبا باتت شائكة قليلا بالنسبة للولايات المتحدة، لأن حلفاء واشنطن في الاتحاد الأوروبي ـ الأعضاء الجدد مثل جمهورية التشيك وبولندا والمجر ـ دعموا هذه الإجراءات وكذا فرنسا وألمانيا.

«لم يصبح الخزان فارغا بعد، لكن وقود سيارة عدم القيام بأي تغيير حتى يموت كاسترو الأول وكاسترو الثاني آخذ بالنفاد»، كما تؤكد هذه المحللة السياسية قبل ذكر أن «أحدا في أميركا اللاتينية وأوروبا لا يتفق مع سياسة الولايات المتحدة تجاه كوبا، سواء كان الأمر يتعلق بحكومات يسارية أم يمينية».

الولايات المتحدة تفرض حصارا اقتصاديا ضد كوبا منذ عام 1962، وقام الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بتشديده منذ أربع سنوات، في حين يعد جون ماكين المرشح الجمهوري للبيت الأبيض الناخبين بالإبقاء على هذا الحصار، لكن منافسه الديمقراطي باراك أوباما يتوقع رفع بعض قيود 2004 فيما يتعلق بالكوبيين الأميركيين. وعلى الرغم من أن موقف الحكومة الأميركية بقي حذرا، إلا أنها لم تتأخر في اللعب بأوراقها ولقد فعلت ذلك في اسبانيا، التي وصفت حكومتها رفع العقوبات بأنه دليل على «استقلال الاتحاد الأوروبي».

وفي مقابلة مع صحيفة «الباييس» الإسبانية، وجه توم شانون مسؤول دائرة أميركا اللاتينية في وزارة الخارجية الأميركية تحذيرا مبهما قبل أن يجتمع في واشنطن، مؤخرا، مع أنخيل لوسادا وزير الدولة الإسباني للشؤون الخارجية، فلقد قال إن «المقاصد المشار إليها صحيحة، وهي جيدة من منظور الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن يقلقنا كثيرا أن يتعلق الأمر بالسير بسرعة كبيرة في العلاقات مع الحكومة التي لا تزال عالقة في الديكتاتورية»، على حد تعبير الدبلوماسي الأميركي الذي أكد ذلك ملمحا للقرار الأوروبي.

يذكر أن السياسة الإسبانية حيال كوبا شهدت العديد من الاحتكاكات مع إدارة بوش خلال السنوات الأخيرة، فقبل عام مضى وتحديدا قبل القيام بزيارتها الوحيدة إلى اسبانيا، كانت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس قد ألقت دلوا من المياه الباردة على رأس الحكومة الإسبانية عندما قالت علانية ان مدريد لم تكن «على الخط نفسه» فيما يتعلق بكوبا.

بيد أن بعض الأوساط الرسمية في اسبانيا تستبعد، مع ذلك، ظهور مشكلات جديدة مع إدارة بوش إثر القرار الأوروبي، فليس من مصلحتها بعد أن بدأت ولايتها تقترب من خط النهاية فتح جبهة أو خوض شجار مع الاتحاد الأوروبي، لا سيما بعد أن اتخذ القرار بالإجماع ولم يواجه أي معارضة من جانب أكثر البلدان صداقة للولايات المتحدة في أوروبا الشرقية.

على الجانب الآخر من المشهد الذي يعكس تاريخ العلاقات الغربية ـ الكوبية المتشنجة عادة، يبرز موقف الرئيس الكوبي السابق فيديل كاسترو الذي عبر من خلاله عن ازدرائه حيال رفع عقوبات الاتحاد الأوروبي، عندما كتب في مقالة لم تنشرها .

كما جرت العادة جميع وسائل الإعلام الكوبية الرسمية التي عادة ما تنشر تأملات الزعيم الشيوعي التي بدأ يكتبها منذ أن وقع طريح فراش المرض وأصبحت تعد بالعشرات ويتناول فيها طيفا واسعا من الملفات السياسية الساخنة محليا وإقليميا ودوليا، فلقد ركز في هذه المقالة المثيرة للجدل على الطريقة التي أوقف الاتحاد الأوروبي بها العقوبات الدبلوماسية في محاولة منه لفكفكة العلاقات مع الجزيرة.

صحيح أن كاسترو البالغ من العمر 81 عاما يعيش بعيدا عن السلطة منذ أن ألم به مرض عضال منذ عامين، لكنه لا يزال له تأثير سياسي هائل على الجزيرة التي يحكمها شقيقه الأصغر راؤول.

.. «بعمري هذا وبحالتي الصحية هذه، لا يعلم المرء كم من الوقت سيعيش، لكني أرغب منذ الآن بأن أودع احتقاري للنفاق الهائل الذي ينطوي عليه القرار»، هذا غيض من فيض ما كتبه كاسترو في مقالته التي نشرها الموقع الرسمي للحكومة الكوبية «كوباديباتي»، حيث يبدو قلق الزعيم التاريخي واضحا من محاولات أطراف خارجية عديدة وعلى رأسها الولايات المتحدة وبعض بلدان الاتحاد الأوروبي التدخل في الشأن الداخلي لبلاده.

فالاتحاد الأوروبي لم يتخذ قراره هذا لسواد عيون أبناء الجزيرة، وإنما يسعى من خلال رفع العقوبات إلى تشجيع إصلاحات وتغييرات جديدة قد يقدم باعتقاده عليها الرئيس راؤول كاسترو، الذي اعتلى سدة الحكم في 24 فبراير الماضي إثر انسحاب شقيقه فيديل.

إضاءة

في الوقت الذي يطالب فيه الأوروبيون كوبا بتحسين أدائها في ما يخص حقوق الإنسان وبإطلاق سراح السجناء السياسيين، فإنهم هم من يمارس أبشع السبل لطرد المهاجرين من أميركا اللاتينية.

كما يطلبون من كوبا، باسم حقوق الإنسان، الإعفاء عن المنشقين الذين يحاولون تسليم بلادنا وشعبنا إلى الإمبريالية. إن القرار الأوروبي لن يكون له أثر اقتصادي على كوبا في الوقت الذي يبقى فيه الحظر الاقتصادي الأميركي قائماً.

باسل أبو حمدة