حلبة الصراع في زيمبابوي.. طرفاها محارب قديم عنيد يرفض الاستسلام رغم تجاوزه الثمانين . ومصارع يقاتل حينا ويتوارى عن الحلبة حينا آخر حتى لايلقي بنفسه الى التهلكة.

المحارب.. هو الرئيس المخضرم روبرت موغابي البالغ من العمر 84 عاما . والذي لايمكن اغفال تاريخ نضاله المشرف ضد الأقلية العنصرية البيضاء التي نهبت ثروات بلاده . ولكنه للأسف بات مسخا ديكتاتوريا بسبب تجاوزه مدة صلاحيته في الحكم وتشبثه بسلطة تحتاج الى دم جديد يضخ في شرايين وطن زاخر بالثروات الطبيعية وعلى رأسها «البلوتونيوم» اذ تعد زيمبابوي ثاني أكبر دولة في العالم تحتفظ باحتياطي هذا المعدن النفيس.

أما المصارع.. فهو زعيم المعارضة مورغان تسفانغيراي.. الذي بدأ حياته عاملا في المناجم . وصار قبل تسع سنوات زعيما للمعارضة بعد مشوار سياسي لابأس به.. فقد بدأ صراعه مع السلطة كزعيم نقابي .

الى أن أسس في عام 1999 «الحركة من أجل التغيير الديمقراطي» التي جذب اليها الشباب وخاصة المتضررين من البطالة الى جانب عناصر من ذوي الأصول الأوروبية الذين بطبعهم يرفضون نظام موغابي الذي تخلص مع رفاقه من حكم الأقلية البيضاء التي ينتسبون اليها. وتضم حركته أيضا أصحاب رؤوس أموال متضررين من النظام.

هذا المصارع.. بات في نظر الغرب البديل المرتقب لحكم زيمباوي. رصيده الشعبي ـ طبقا لانتخابات الرئاسة في دورتها الأولى التي خاضها في مارس الماضي ـ يعادل أو يزيد قليلا على رصيد العجوز موغابي. في هذه الانتخابات تقدم بحوالي خمس نقاط على موغابي بحصوله على 47 .9% من الأصوات مقابل 2.43%.

وبالتالي فشعبيته ليست كاسحة .

ولكنها قائمة وفاعلة ومؤثرة منذ أن فازت حركته في انتخابات يونيو 2000 بـ 57 مقعدا . في حين نال حزب الاتحاد الوطني الإفريقي في زيمبابوي «زانو» بزعامة موغابي ب62 مقعدا. ويحسب لحركة تسفانغيراي أنها منذ ذلك التاريخ أنهت عشرين عاما من احتكار حزب «زانو» للساحة السياسية.

وبالتالي فقد صار ندا لتمسح افريقيا العجوز موغابي الذي لم يعد مقبولا دوليا بل واقليميا أيضا. اذ ان جيران زيمبابوي ـ باستثناء جنوب إفريقيا ـ ترى في عدم استقرار الأوضاع في هذا البلد الإفريقي تهديدا للأمن الإقليمي. والشخصيات الإفريقية التاريخية ممثلة في المناضل الكبير نيلسون مانديلا والأسقف ديزموند توتو ـ وان كانت تحترم تاريخه القديم ضد العنصرية ـ لم تعد ترضى ضمنيا ـ على حكم موغابي.

تسفانغيراي يرى أنه بات قريبا من الرئاسة. وربما ذلك ما دفعه الى ألا يلقي بنفسه الى التهلكة. فقد احتمى بالسفارة الهولندية في بلده وقال صراحة: لن اغامر بسلامتي. زاعما أن لجوءه الى الهولنديين كان حرصا على حياته. وفي نفس الوقت . انسحب من الجولة الثانية لانتخابات الجمعة الماضية . وفعل ما لم يفعله زعيم معارضة في العالم. اذ طلب من الناخبين بأن يدلوا بأصواتهم لصالح موغابي لتجنب الأذى!

أخطر موقف لتسفانغيراي يمكن أن يسيء الى شعبيته . هو دعوته زعماء العالم لإرسال قوة عسكرية لبلاده . زاعما أنها ستكون قوة لحفظ السلام.

موغابي أمام تحركات تسفانغيراي . يرى أن زعيم المعارضة ألعوبة في يد بريطانيا . ( أنصار تسفانغيراي في بريطانيا ـ كما تقول الإندبندنت ـ يقدمون تبرعات له تتراوح ما بين خمسة آلاف وعشرة آلاف جنيه استرليني شهريا).

ويؤكد أن المحاربين القدامى في بلاده والذين خاضوا حرب التحرير ـ وهو بالطبع على رأسهم ـ لن يسمحوا للمعارضة بالسيطرة على البلاد حتى لو حملوا السلاح مرة أخرى. يقصد بذلك تسفانغيراي.. فتاريخه السياسي . يرتبط بمعارضة موغابي فقط. فهو لم يشارك قط في معركة النضال ضد العنصرية التي كان موغابي من قادتها.

إضاءة

ولد تسفانغيراي عام 1952 في غوتو شرقي روديسيا الجنوبية (زيمبابوي لاحقا) لأب يعمل في البناء . وهو تاسع إخوته الثمانية. وهو من جماعة «الشونا» العرقية التي ينتمي إليها روبرت موغابي. درس قليلاً ثم التحق بمصنع للنسيج وبعدها عمل في منجم لاستخراج النيكل ببلدة بندورا مدة عشر سنوات. صار زعيماً نقابياً لعمال المناجم في الثمانينات.

سجن شهراً ونصف . عام 1989 . بتهمة التجسس لصالح جنوب إفريقيا. ومع نهاية عام 1997 وبداية 1998 قاد إضرابات عمالية. خاض انتخابات الرئاسة مرتين عام 2002 . والعام الحالي.

حسن صابر