مفاجأة كبيرة خلفها العرض الأميركي الذي تم كشف النقاب عنه مؤخرا بانسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني وتحديدا من مزارع شبعا اللبنانية خاصة وأن هذا العرض وتصريح وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس حول ضرورة البحث في إمكانية إعادة مزارع شبعا.
وتزامن ذلك مع العرض الإسرائيلي بالتفاوض المباشر بين إسرائيل ولبنان، وهو ما يؤكد أن العرضين مترابطان ببعضهما البعض، وهو ما يطرح علامات الاستفهام حول مغزى العرض الأميركي الإسرائيلي وعلاقته بما أعلن عن مفاوضات سورية ـ إسرائيلية وما تم من خطوات للتقريب بين الطوائف اللبنانية وتواكبها مع الخلافات التي طفت على السطح مؤخرا في أعقاب حالة التفاؤل التي أحاطت اتفاق الدوحة.
ويقول مساعد وزير الخارجية المصري السابق السفير محمد عز الدين: إن العرض الأميركي يأتي في إطار السعي الإسرائيلي لخلخلة منطقة الجنوب اللبناني باعتبارها منطقة نفوذ حزب الله وسحب السجادة ان جاز هذا التعبير من تحت أقدام حزب الله والقضاء على منطقه السياسي ومبرراته بالدفاع عن جنوب لبنان بهدف استعادة منطقة شبعا المحتلة من الكيان الصهيوني.
وأضاف أن الولايات المتحدة و إسرائيل تسعيان أيضا من وراء هذا العرض إلى تعقيد الأوضاع داخل لبنان باستثمار نوازع التفاوت واختلاط الأوراق وتضارب المصالح أحيانا بعيدا عن المصلحة العامة اللبنانية، مشيرا إلى أن حق لبنان في شبعا هو حق مؤكد وأن المنطق اللبناني يستند على أن مزارع شبعا كانت محل قرارات دولية عديدة صدرت من مجلس الأمن.
وبالتالي فهي قانونيا واجبة النفاذ وعلى إسرائيل أن تنسحب من هذه الأراضي، فالانسحاب أمر مرحب به بالطبع من الجميع، ولا يستدعي الأمر التفاوض الذي تناور إسرائيل من خلاله على العرض الذي تقدمت به عن طريق الولايات المتحدة.
وعبر عز الدين عن أمله في أن يغلب الداخل اللبناني المصالح العليا اللبنانية على المصالح الطائفية والفصائلية، وأن يتحرك هذا الداخل منسجما مع روح اتفاق الدوحة، حيث أثبت هذا الاتفاق تجاوز قضايا الشرذمة والبناء عليها ، مشددا على أن خروج لبنان متحدا متجاوزا صعوباته الحالية خلال هذه المرحلة المفصلية يساوي لبنان آمنا ومزدهرا.
وحول وضعية حزب الله في حال انسحاب إسرائيل من مزارع شبعا اللبنانية ، قال عز الدين: أتصور أن المنطق الذي طرح في اتفاق الدوحة لا يعترض على تنظيم تستطيع الدولة عن طريقه تأمين الجنوب اللبناني، وهو ما يعني أن حزب الله من حيث المبدأ قابل بترتيبات يتم الاتفاق عليها في إطار الدولة اللبنانية تحقق بالفعل تأمين الجنوب اللبناني وعندما تكون الدولة قادرة على ذلك وإزالة أسباب التهديد، وهو ما يعني أيضا أن هناك رؤية جديدة لحزب الله على وجه الخصوص والدولة اللبنانية بصفة عامة تجاه الوضع في الجنوب اللبناني وحماية الحدود الجنوبية.
وفيما يتعلق بمدى إمكانية تعرض الدولة اللبنانية لضغوط أميركية ، فيما يتعلق بمستقبل وضعية حزب الله في إطار العرض الأميركي حول مزارع شبعا، أكد مساعد وزير الخارجية المصري السابق السفير محمد عز الدين على أنه في حال وقوع ضغوط أميركية تحول دون التنسيق اللبناني أو تعرقله أو تستقسم جهات ضد جهات فهي بلا شك وصفة كارثية ليست في صالح لبنان بأي حال من الأحوال حاليا أو مستقبلا.
واستطرد قائلا: إذا أرادت الولايات المتحدة ممارسة أية ضغوط فعليها أن تمارس ضغوطها على إسرائيل للانسحاب من طرف واحد ويمكنها وضع المزارع وتأمينها بقوات دولية لحين إنهاء كل الترتيبات مع الإشارة أيضا إلى المفاوضات الإسرائيلية السورية وما يمكن أن تسفر عنه من نتائج.
ومن جانبه ، يرى رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور سعيد اللاوندي أن العرض الأميركي بعودة مزارع شبعا اللبنانية وانسحاب القوات الإسرائيلية منها، يأتي في إطار مخطط وسعي إسرائيلي ـ أميركي لمحاصرة حزب الله وتقليص دوره وتقليم أظافره وتهميشه وإضعافه في محاولة لمحاصرة وقطع أذرع إيران الطويلة انتظارا للقيام بأي عملية عسكرية ضد إيران لمواجهة نشاطها النووي والذي تعتبره كل من الولايات المتحدة وإسرائيل يمثل خطرا عليهما ويستعدان لمواجهته عسكريا.
وأضاف أن التوجه الأميركي ـ الإسرائيلي بدأ بفتح قناة للتفاوض المباشر بين إسرائيل وسوريا في محاولة منهما لتحييد دور سوريا باعتبارها أحد ابرز حلفاء إيران وضمان عدم قيام تحالف سوري ـ إيراني في حال تعرض إيران لأي هجوم وهو ما تم أيضا مع لبنان بدعوته لتفاوض مباشر مع إسرائيل والتلويح بإعادة مزارع شبعا.
وقال اللاوندي: إن كل ما سبق لا يعني أن نطلق العنان للتفاؤل ونتخيل أن عداء واشنطن وتل أبيب مع طهران والعروض التفاوضية الأخيرة من شأنه ممارسة ضغط على الكيان الإسرائيلي وحليفه الأميركي، وان هذا من شأنه إعادة الحقوق العربية المسلوبة.. فقد اعتادت إسرائيل على المماطلة وإضاعة الوقت واستهلاك الفرص حتى تتخطى المأزق الذي توضع فيه حتى تهدأ العاصفة ثم تبدأ من جديد في إعطاء وتوزيع الوعود والتفاؤل.
ومن ناحيته، حذر رئيس قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة والأمين العام لمنتدى الفكر العربي الدكتور حسن نافعة من الإفراط في التفاؤل بالعرض الأميركي للانسحاب الإسرائيلي من مزارع شبعا، مشددا على أن هذا العرض الأميركي ـ الإسرائيلي يستهدف العديد من الأمور من بينها الوقيعة بين لبنان وسوريا على اعتبار أن مزارع شبعا هي محل نزاع على ملكيتها منذ فترة طويلة.
بالإضافة إلى ما يمكن أن تحدثه هذه المبادرة من خلافات بين الطوائف اللبنانية وتعميق هوة الخلاف فيما بينها وإضعاف حزب الله اللبناني وشل حركته وتهميشه خاصة وأنه يستمد شرعية وجوده ونشاطه العسكري من الدفاع عن الأراضي اللبنانية وخاصة مزارع شبعا وهو ما يعني إفقاد حزب الله شرعية وجوده.
وتوقع نافعة ألا يكتب للسيناريو الأميركي ـ الإسرائيلي النجاح على اعتبار أنه يأتي في ظروف دولية وإقليمية غير مواتية، خاصة وأن الإدارة الأميركية تستعد للرحيل وغير مستعدة لتحمل أي أعباء أو انتقادات خاصة في ظل الظروف الانتخابية الحالية كما أن العلاقات الإقليمية والدولية لن تستجيب ولن تخضع لمثل هذه الضغوط وعلى إسرائيل إذا رغبت في الانسحاب أن تنفذه ولو من جانب واحد بدون اشتراطات.
سباعي إبراهيم